بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٨٢ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
عموم الفلاسفة و من جاراهم من علمائنا، و هذا بعد الفراغ عن أنّ مسألة التحسين و التقبيح عقلية لا شرعية في مقام بيان و تشخيص هوية هذه القضايا و نوعها في قائمة الصناعات الخمس في المنطق الأرسطي، و هذا الخلاف هو المقصود بالبحث في المقام.
إذن فهنا مسلكان في تشخيص هويّة قضايا «الحسن و القبح» العقليين.
١- المسلك الأول: و هو للمحقّقين من علماء العدلية، حيث ذهبوا إلى أنّ قضايا حسن العدل و قبح الظلم مثلا هي قضايا واقعية عقلية أوليّة، بمعنى أنّ شأن العقل في هذه القضايا هو شأن و دور المدرك الكاشف، كما هو شأنه في القضايا النظريّة الأخرى، غاية الأمر، انّ هذه القضايا لها واقع موضوعي منفصل عن اعتبار العقل ثابت في نفس الأمر، أي انّها قضايا واقعية تحقّقها بنفسها لا بوجودها الخارجي، و أنّ إدراك العقل لها إدراك أوّلي من سنخ إدراك العقل بأنّ الكل أكبر من الجزء، و أنّ المعلول لازم لعلّته، و هكذا، إدراك الإمكان و الاستحالة و الامتناع، من مدركات العقل النظري، فكما أنّ هذا الإدراك موضوعه هو محض الكشف، كذلك العدل، و الظلم، فالعقل وظيفته الإراءة، و كما أنّ تلك القضايا أوليّة، بمعنى أنّها ليست مرتبطة بتلقين أو عاطفة، فكذلك حسن العدل، و قبح الظلم.
٢- المسلك الثاني: و هو مسلك الفلاسفة و بعض من جاراهم من علمائنا الّذين جروا على طبق المنطق الأرسطي في باب الصناعات الخمس، حيث ذهبوا إلى أنّ حسن العدل و قبح الظلم قضايا عقلية و لكنّها ليست أوليّة، بل هي من القضايا المشهورة.
و هذا اصطلاح وضع في المنطق الأرسطي في باب الصناعات الخمس، حينما أرادوا سبر مواد الأقيسة و المقدّمات الداخلة في الأدلة، فقالوا: بأنّ هذه المواد و المقدّمات على نحوين.