بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٧٧ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
و حينئذ نقول: إن كان هذا هو مقصوده، فيردّ عليه:
أولا: انّه لا معنى لتقسيم الحسن و القبح إلى «فعلي و فاعلي»، فإنّ هذا معناه، أنّه يتصور انّ الفعل في نفسه بقطع النظر عن إضافته إلى فاعل مخصوص يتصف بالحسن و القبح، مع أنّه من الواضح بطلان هذا التصور، لأنّ الحسن و القبح إنّما يضافان إلى الفعل بلحاظ صدورهما من الفاعل.
و كأنّ هذا التقسيم ناشئ من الخلط بين الحسن و القبح، و بين المصلحة و المفسدة، إذ أنّ المصلحة و المفسدة موضوعهما هو الفعل في نفسه فهو الّذي يتصف بالمصلحة و المفسدة، و أمّا الحسن و القبح فإنّ موضوعهما الفعل بما هو مضاف إلى فاعله، و لا يتصور فيهما حسنا و قبحا بقطع النظر عن الفاعل، بل قد يكون الحسن ذا مفسدة، و القبح ذا مصلحة، كما في التجرّي و الانقياد على ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.
إذن فمتعلق الحسن و القبح إنّما هو فعل الفاعل، لا فعل مقطوع النظر فيه عن الفاعل، فلو وقع فعل بلا فاعل و لو محالا، فلا معنى لحسنه و قبحه، و لا معنى لاستحقاقه الثواب عليه و العقاب، لأنّه لا وجود لشخص فاعل يثاب و يعاقب، بينما لو وقع فعل بلا فاعل، فهذا قد يكون فيه مصلحة، إذن، فباب المصلحة غير متقوم بإضافة الفعل إلى الفعل، إذن، فهناك مصلحة فعليّة، و مصلحة فاعلية، لكن الحسن و القبح باعتبار رجوعهما إلى استحقاق الثواب و العقاب، فهما متقومان بالفاعل، إذن فلا معنى لتقسيمهما إلى فعلي و فاعلي، لأنّ القبح و الحسن هما ما يذمّ و يمدح عليهما الفاعل، و هذا لا يكون إلّا بعد إضافتهما إلى فاعل، و ليس الفعل في نفسه.
و ثانيا: لو سلّمنا بهذا التقسيم، أي بقبح فعلي متعلق بذات الفعل، و قبح فاعلي متعلق به بما هو مضاف إلى الفاعل، فإنّه مع هذا يأتي الإشكال الثاني، و هو أن يقال حينئذ: