بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٧٤ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
نعم هناك فرق بين مورد الإقدام على الظلم، مع تحققه، و بين الإقدام على الظلم من دون تحققه، و هو أنّه إذا أقدم على الظلم و كان الظلم متحقّقا، بأن نفرض أنّه عصى تكليف المولى، فهو هنا ارتكب قبيحا يستحقّ عليه العقاب التأديبي من كل عاقل، و إضافة لهذا يوجد له مظلوم و هو مولاه، و العقل يدرك هنا أيضا أنّ المظلوم له حق التعويض و القصاص ممّن ظلمه، و لهذا نجد انّ هذا الإنسان الّذي يظلم أباه مثلا، كلّ النّاس يذمّونه بملاك التأديب، لكن أبوه يذمّه بملاك التأديب بما هو عاقل، و بملاك القصاص بما أنّه مظلوم.
و هذا بخلاف موارد الإقدام على الظلم دون تحقق الظلم في الواقع، كمن يجحد نعمة من يتخيّل أنّه منعم عليه، فهنا صدر منه قبيح و يستحقّ عليه العقاب التأديبي من العقلاء، لكن العقاب القصاصي من المظلوم لا يستحقّه، إذ لا مظلوم في الواقع في المقام، أمّا القبح فلا يفرّق فيه بين الإقدام على الظلم و تحقّقه، أو عدم تحقّقه، بناء على التصور الثالث.
و في مقابل هذا المسلك الّذي سلكناه يوجد مسلكان آخران:
١- المسلك الأول: و هو ظاهر كلمات الشّيخ الأعظم (قده) [١] في الرّسائل، حيث ذهب إلى إنكار هذا القبح رأسا في الفعل المتجرّي به، حيث انّه يرى أنّه في الفعل المتجرى به لم يصدر منه ظلم أصلا، و إنّما هناك سوء سريرة انكشفت بهذا الفعل المتجرّى به. إذن، فقبح هذا الفعل، بسبب كشفه عن سوء السريرة، لا أنّه هو قبيح، فالفعل المتجرى به ليس قبيحا إلّا بما هو كاشف عن شيء قبيح، و هذا نظير الكلمات القبيحة الكاشفة عن معانيها القبيحة، و قبح الكاشف بما هو كاشف، أمر عرضي مجازي.
[١] فرائد الأصول: الأنصاري، ص ٨.