بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٧٣ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
و أمّا التصور الثالث: فقد عرفت سابقا أنّه حتّى لو سلّمنا و بنينا عليه، فرغم هذا نقول بقبح التجرّي لما عرفت و ادّعيناه من كون الظلم قبيحا، و كون الإقدام على ما يعتقد بكونه ظلما هو قبيح أيضا.
و حينئذ أشكل على هذا الكلام حيث قيل: إنّه إذا كان الظلم قبيحا، و كان الإقدام على ما يعتقد بكونه ظلما هو قبيح أيضا، إذن يلزم في موارد المعصية و إصابة القطع للواقع تعدد القبيح، لأنّ العاصي ظلم المولى، باعتبار انّ موضوع حق الطاعة محقق حتّى بناء على التصور الثالث، و قد فرض أنّه أقدم على هذا الظلم، فنفس الحالة الموجودة في المتجري، و هو إقدامه على الظلم، هي موجودة في هذا العاصي، لأنّه أقدم على الظلم، و بهذا يكون قد صدر عنه قبيحان.
أو قل: إذا كان الظلم قبيح، و الإقدام عليه قبيح أيضا، لزم في موارد المعصية و إصابة القطع للواقع، صدور قبيحين، و هو خلاف الوجدان.
و حل هذا الإشكال، هو أنّه لا تعدّد للقبح في المقام، لأنّ موضوع القبح عقلا دائما إنّما هو الإقدام على الظلم، لا نفس الظلم، غاية الأمر انّ الظلم يستبطن الإقدام عليه لكونه متقوما بالقصد و الاختيار، فالإقدام على الظلم يكاد أن تكون نسبته للظلم هي العموم المطلق، إذ متى ما كان ظلم، فهناك إقدام عليه، لأنّ الظلم متقوم بالقصد و الاختيار، و متى ما كان إقدام على الظلم، فقد يكون ظلم، كما في موارد المعصية، و قد لا يكون، كما في التجرّي، و ما هو موضوع القبح عقلا إنّما هو الإقدام على الظلم الّذي هو محور طرفي مورد العصيان و التجرّي، إذن فلا ندّعي تعدّد مراكز القبح و وجود عنوانين قبيحين أحدهما نفس الظلم، و الآخر الإقدام عليه، كي يردّ الإشكال في مورد العصيان.