بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٧٢ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
موضوع حق الطاعة و المولى مركب من جزءين، التكليف بوجوده الواقعي، و الإحراز، إذن، فهنا العبد لم يسلب من المولى حقّه في باب التجري، لأنّ أحد جزئي الموضوع غير موجود.
و لكن رغم ذلك نقول، بقبح التجرّي، و ذلك بدعوى أخرى ندّعيها، و هي أنّ هذا العبد حينما أقدم على ارتكاب ما قطع بحرمته، فإنّه كان يتخيل أنّه حق المولى، و هو يقطع بالتالي بأنّه يسلب المولى حقّه في صورة ارتكابه، بمعنى، أنّه أقدم على ظلم المولى و سلبه حقّه باعتقاده، و إن لم يظلمه واقعا، و ندّعي أنّه كما انّ الظلم قبيح، فكذلك ارتكاب ما يقطع بأنّه ظلم و لو اشتباها، فإنّه قبيح أيضا بحكم العقل، كمن كان يتخيّل و يعتقد بفضل إنسان عليه و إنعامه، ثمّ جحد نعمته، فهذا قبيح، إذ لا فرق بين من يقع في خطأ في أصل مولوية المولى، و بين من يقع في خطأ تطبيق مولويته، حيث انّ نفس الإقدام على فعل يقطع بأنّه ظلم للمولى قبيح و إن لم يكن في الواقع كذلك، فمن قبل و اعتقد انّ الظلم قبيح، ينبغي أن يعتقد انّ الإقدام على ما يعتقد انّه ظلم قبيح أيضا.
و موارد التجري من هذا القبيل، فإنّه و إن لم يكن قد سلب حق المولى- هذا بعد التنازل عن الكلام الأول- إلّا أنّ هذا المكلّف كان قد أقدم عليه، فيكون إقدامه هذا بهذا الاعتبار قبيحا، و بهذا يكون استحقاقه للعقاب من مولاه الحقيقي- مع أنّه لم يظلمه في الواقع- بملاك كون مقتضى مولوية المولى الحقيقي ان تعاقب المتجري الفاعل للقبيح بحسب اعتقاده، و إن لم يكن فعله القبيح هذا ظلما لمولاه في الواقع.
و مع اتضاح بطلان التصور الأول في دائرة حق الطاعة، و اتضاح أنّه بناء على التصور الثاني لا إشكال في قبح الفعل المتجرّى به كما هو الصحيح، ننقل الكلام إلى التصور الثالث.