بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٦١ - نبذة إجمالية عن كيفية التوفيق بين الأحكام الواقعية و الظّاهريّة، و كيفيّة رفع التضاد بينهما بلحاظ عالم المبادئ
المولى باعتبار أنّ عنده ملاكان، أحدهما مفسدة الخمر، و الآخر مصلحة إطلاق العنان في الخل أو لحم الطير مثلا، و بما أنّه لم يصل ذلك إلى المكلّف، حينئذ، إمّا أن يحكم عليه حكما طريقيا بوجوب الاحتياط فيهما معا، تحفظا على مفسدة الخمر، و بهذا تفوت المصلحة الموجودة في الخل أو لحم الطير، و إمّا أن يعكس المطلب، و حينئذ، يقع في مفسدة الخمر أو لحم الأرنب مثلا، و أيّهما جعل، فهو حكم طريقي، لأنّ هذا الحكم لم ينشأ في صورة جعل الحرمة من مفسدة في الاثنين، بل من مفسدة في الخمر، لكن حفاظا على عدم الوقوع فيها يجعل تلك الأحكام، و من هنا قلنا: إنّ هذه الأحكام تنشأ من متعلقات ملاكات تلك الأحكام الواقعية النفسية، و كذا الحال لو جعل الحلية للإثنين معا، فإنّ هذا حكم طريقي لم ينشأ من مصالح في الموردين، بل حفاظا على مصلحة الخل أو لحم الطير، و من هنا فالأحكام الطريقية ناشئة من ملاكات في متعلقات تلك الأحكام النفسية، و يترتب عليها أنّها إنّما تتميّز و تعذر عن الأحكام النفسية، و أمّا بنفسها فلا تميّز لها و لا تعذير، فوجوب الاحتياط مثلا منجز للأحكام الواقعية المشكوكة.
و بمثل هذا البيان دفعنا التضاد بين الأحكام الواقعية و الأحكام الظّاهرية في عالم المبادئ، إذ يتضح من هذا انّ مبادئ الحكم الظاهري هي عين مبادئ الحكم الواقعي النفسي، لا ملاكات و مبادئ أخرى يقع التضاد بينهما، و بمثل هذا جمعنا بين الأحكام الواقعية و الأحكام الظاهرية، و بمثل هذا صوّرنا وجوب الاحتياط و البراءة و أمثالها.
و هذا البيان لا يأتي في محل الكلام، لأنّه في محل الكلام لو فرض أنّ المكلّف كان قاطعا بأحكام ترخيصية، و المولى يريد أن يجعل ما يشبه وجوب الاحتياط عليه أو بالعكس، و كلاهما غير ممكن، لأنّ