بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٥٢ - ٢- الجهة الثانية من المرحلة الثانية و هي أنّ العلم الإجمالي بعد الفراغ عن تأثيره و تنجيزه لوجوب الموافقة القطعية، يقع الكلام في انّ هذا التأثير هل هو بنحو العليّة، أو الاقتضاء؟
فهناك عموم إفرادي لكل من الطرفين، و هناك إطلاق أحوالي في كل من الطرفين كما لو علم بحرمة أحد المائعين، و حينئذ، من المعلوم أنّه إذا تحفظنا على العموم الأفرادي و الإطلاق الأحوالي معا في دليل الأصل، للزم الترخيص في المخالفة القطعية، لأنّ مقتضى العموم الأفرادي الترخيص بكل منهما، و مقتضى الإطلاق الأحوالي جواز ارتكاب كل طرف حتّى لو ارتكب الطرف الآخر، و هذا معناه الترخيص في المخالفة القطعية، و هذا محال، و لأجل التخلص من هذا المحذور، إذن، لا بدّ من رفع اليد بقدر يرتفع به هذا المحذور، و من الواضح أنّه يكفي في رفعه أن نرفع اليد عن الإطلاق الأحوالي مع التحفظ على العموم الأفرادي و ذلك بأن نلتزم بإباحة كل الأطراف، و هذا معنى التحفظ على العموم الأفرادي، لكن نقول: بأنّ إباحة كل منهما مشروطة بترك الآخر لا مطلقة من جهة فعل الآخر، و هذا معناه: رفع اليد عن الإطلاق الأحوالي، فينتج حينئذ الالتزام بإباحتين في كلا الطرفين، و هو التخيير في جريان الأصول، و أنّ كل طرف مباح بشرط ترك الآخر، و من الواضح انّ مثل هذين الترخيصين المشروطين لا ينتجان الترخيص في الجميع الّذي هو معنى المخالفة القطعية، لأنّه لو ارتكب أحدهما لا يكون الآخر مباحا، إلّا أنّه ينتج الترخيص في المخالفة الاحتمالية دائما حيث أنّه يجوز إجراء الأصل في كل طرف بشرط عدم إجرائه في الآخر، إذن لا محذور في هذين الترخيصين على مبنى الاقتضاء و إنّما يتعيّن الالتزام بإجراء الأصل مشروطا في كلا الطرفين لأنّ العموم الأفرادي و الإطلاق الأحوالي كل منهما حجّة و لا يجوز رفع اليد عن الحجّة إلّا بمقدار الضرورة، فيرفع اليد عن الإطلاق الأحوالي.
و بهذا يثبت أنّه على القول بالاقتضاء، دائما يكون دليل الأصل مستلزما المخالفة الاحتمالية، و معه يكون المقتضي مقترنا بالمانع عن التأثير في وجوب الموافقة القطعية دائما.