بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٨٩ - ٢- المقام الثاني في انّ تأثير العلم الإجمالي في حرمة المخالفة القطعية، هل هو على نحو العلية، أو على نحو المقتضي
للإباحة، و إنّما هو تزاحم في مقام حفظ تلك الملاكات تشريعا، بمعنى أنّ ملاكات الحرمة تقتضي من المولى، للتحفظ على نفسها أن يحكم بتحريم كل ما يحتمل حرمته، لكي يضمن اجتناب كل المحرّمات، و على العكس منها ملاكات الإباحة، فإنّها تقتضي تحفظا عليها، أن يحكم المولى بإباحة كل ما يحتمل إباحته لكي يضمن إطلاق العنان الّذي هو محط المصلحة في كل المباحات الواقعية، و حينئذ، يقع التزاحم في مقام الحفظ التشريعي، و في مثل ذلك يوازن المولى بين ملاكاته الترخيصيّة، و ملاكاته الإلزامية، فإن فرض أنّ الملاكات الترخيصيّة كانت أهم، فسوف يجعل حكما بالإباحة في موارد الشّبهات بلسان من ألسنة الحكم الظاهري، و إنّ فرض أنّ الملاكات الإلزامية كانت أهم، فسوف يجعل حكما بوجوب الاحتياط في موارد الشّبهات بلسان من ألسنة الحكم الظاهري.
و من هنا يتبين، انّ الخطاب الظاهري- بناء على هذا- ليس له مبادئ وراء مبادئ الأحكام الواقعية، لأنّ جعلها إنّما كان للتحفظ على مبادئ الأحكام الواقعية كما عرفت، و من هنا لا يلزم من وجود الحكم الظاهري أن يكون ناسخا للحكم الواقعي، لأنّ تمام مبادئ تلك الأحكام على حالها لأنّها واحدة، كما أنّه لا يلزم التضاد بين الخطابات الظاهرية و الواقعية، لأنّ التضاد إن فرض، فإنّما يفرض في المبادئ و لا مبادئ للحكم الظاهري مقابل مبادئ الحكم الواقعي، بل المبادئ واحدة فيهما، كما أنّه لا يلزم من جعل الحكم الظاهري نقض الغرض، لأنّه بجعل الحكم الظاهري- كالإباحة مثلا- و إن كان يؤدّي في بعض الأحيان إلى نقض الغرض و الترخيص في ترك الواجب، كما لو كان ذلك الفعل واجبا في الواقع، إلّا أنّ مثل هذا النقض إذا كان من أجل الحفاظ على غرض أهم فلا يكون قبيحا حينئذ.
و في المقام، الأمر كذلك، لأنّ المولى لو أمكنه عدم نقض غرضه