بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٤ - ٢- المقام الثاني في العقل العملي
ينبغي» مستبطن في نفس مفهوم الظلم، و كذا، القبح، فإنّ معناه: الإتيان بما لا ينبغي، إذن، صارت القضية تكرارين، لأنّه حينئذ، يكون معنى، «الظلم قبيح»، هو انّ الإتيان بما لا ينبغي لا ينبغي.
و هذه القضية، إن كانت مفيدة، فهي مفيدة في مقام التعبير و الإشارة إلى تمام مدركات العقل العملي الثابتة في المرتبة السابقة على هذا التعبير، و عليه: فهي في طول العقل العملي، لا انّ قضايا العقل العملي في طولها، و عليه: فهذا البيان للتخلص من هذا المحذور غير تام.
بل الّذي ينبغي أن يقال: هو أنّه لا اختلاف أصلا في قضايا الحسن و القبح عند الإنسان المتمدن في جميع مجتمعاته و أعرافه على اختلافها، و إنّما الاختلاف في الأنظار إنّما هو في مقام التزاحم بين حيثيّات الحسن و القبح فيما إذا اجتمعتا في فعل واحد، حيث أنّ من يقدم حيثيّة الحسن على حيثيّة القبح، و هناك من فعل العكس.
و توضيح ذلك هو، انّ العقل العملي قسمان: الأول: هو عقل بديهي لا يختلف فيه النّاس، و الثاني: هو عقل نظري يختلف فيه النّاس، و العقل الأول البديهي هو عبارة عن العقل الّذي يدرك الحيثيّات الاقتضائية للحسن و القبح في نفسها،- بقطع النظر عن ابتلائها بمزاحم و عدمه- فإنّ كل إنسان سوي، يمكنه إدراك هذه البديهيات و الحيثيّات، كما في إدراك حسن الصدق، مع قطع النظر عن مزاحمة أي حيثيّة أخرى تقتضي قبحه، كما لو تزاحم مع حفظ الأمانة لو توقف حفظها على الكذب، فإنّه يحصل حينئذ تزاحم بين الحيثيّة الإيجابية للصدق، و الحيثيّة السلبية للخيانة، لكن العرف من حيث هو، بقطع النظر عن هذه المزاحمة، لا يوجد فيه من يشكّك بحسن الصدق، و حفظ الأمانة، هذه هي بديهيات العقل العملي الأول، و لكن هذه الحيثيّات المقتضية للحسن