بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٤٦ - ٢- المقام الثاني في العقل الثاني
١- الدعوى الأولى: هي أنّ المعارف الّتي ينتهي إليها التسلسل في مقام الاستدلال كلها مضمونة الحقّانيّة.
٢- الدعوى الثانية: هي دعوى أنّ المعارف الثانوية هي أيضا مضمونة الحقّانيّة لأنّها تستنتج من المعارف الأولية باعتبار التلازم و التضمن بينها و بين المعارف الأولية الّتي استنتجت منها، بمعنى: انّ المعقول من المعرفة الأوليّة يتضمن أو يستلزم المعقول من المعرفة الثانوية، و هذا ما نسميه بالتوالد الموضوعي، بمعنى أنّ المعلومات الأولية تولّد المعلومات الثانوية باعتبار التلازم بينهما، فإذا تمّت كلتا الدعويين يثبت المطلوب، و هو أنّ ما استنتج من المعارف الأولية بطريق صحيح يكون مضمون الحقّانيّة.
و نحن لنا تعليق على كل واحدة من هاتين الدعويين.
أمّا تعليقنا على الدعوى الأولى: فهو، إنّا نرى أنّ المعلومات و القضايا الّتي يدركها العقل إدراكا أوليا مباشرا- أي من غير أن يبرهن عليها- لا يلزم أن تكون يقينية، و لا مضمونة الحقّانيّة، بل قد تكون مشكوكة، أو مظنونة، أو مقطوعة قطعا خاطئا، بينما المعروف بينهم أنّ كل القضايا الأولية الّتي هي أساس المعرفة، يجب أن تكون يقينية و حقّانية، بينما هذا لا موجب له كما عرفت. و من ذلك ينشأ شيوع الأخطاء في العلوم النظرية، فإنّ كثيرا من هذه الأخطاء في هذه العلوم لم ينشأ من خطأ في الاستدلال، بل نشأ من الخطأ في الأصول الموضوعية للاستدلال، أي من طرح فكرة ادّعيت أوّليتها و حقّانيتها، و هي غير مطابقة للواقع، كما هو ديدنهم في البناء على حقّانية كل قضية أولية. و هذه الكلية لا نسلّمها إذ كون الفكرة أولية يدركها العقل مباشرة دون حاجة إلى استدلال شيء، و كونها يقينية حقّانية شيء آخر، و أحدهما لا يستلزم الآخر، فمثلا: نحن قلنا انّ إدراك الإنسان لمحسوساته