بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٣٨ - ١- المقام الأول في العقل الأول
أو أصغر منها، و من هنا يقال: إنّ الفكر له سيران، أحدهما سير من العام إلى الخاص، كما في باب الشكل الأول من القياس، و ثانيهما، سير من الخاص إلى العام، كما في باب الاستقراء المنطقي.
و المنطق الأرسطي لم يقبل السير من الخاص إلى العام في الاستنتاج لأنّ مسألة السير هذه أوجدت مشكلة منطقية لم تحل و هي زيادة الحكم على التجربة حيث يقال: ما هو مبرر الانتقال من الخاص إلى العام؟.
و في مقام حل هذا الإشكال قال المنطق الأرسطي: إنّ الاستقراء و التجربة بحسب الدقة هي، سير من العام إلى الخاص، و ذلك لأنّه يوجد عند العقل قبل التجربة و الاستقراء قضية عقلية قبلية، و هي أنّ الاتفاق لا يكون دائميا و لا أكثريا في عالم الطبيعة و الخارج، بمعنى أنّ الصدفة لا تتكرر، و الاتفاق لا يستمر، و هذه قضية يعتبرها أرسطو قضية أولية في العقل.
و نحن: إذا افترضنا انّ هذه القضية قضية أولية نأتي إلى مثالنا فنقول: بأنّه في مائة حالة تجربة وجدت فيها الحرارة، وجد التمدد أيضا، فإن لم تكن الحرارة سببا للتمدد، إذن، يكون اجتماع الحرارة مع التمدد في المائة مرّة اتفاقيا، لكن قلنا: إنّ الاتفاق لا يتكرر و لا يكون دائميا، بقانون تلك القضية العقلية المتقدّمة، إذن فيتبرهن أنّ الحرارة هي سبب التمدد في الحديد، و إذا كانت سببا و علّة، فيجب أن لا يتخلّف عنها معلولها، إذن، فتسري هذه العلّة إلى كل حديد آخر، إذا تعرّض للحرارة، و معه يسري حكم التمدد إلى كل حديد تعرّض للحرارة.
و بهذا أرجع القضية التجريبية إلى السير من العام إلى الخاص، و بهذا يعرف أنّ القضية العقلية الأولية هي عبارة عن قضية «انّ الاتفاق لا يتكرر و ليس دائميا، و أمّا قضية الحرارة و التمدد فهي قضية ثانوية.