بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٢٤ - المقام الثاني هو في تصوير كون القصور المدّعى في الدليل العقلي من ناحية عدم صلاحيته للكشف في مقام إثبات حقيقة «ما»
و هذا المدّعى لا يفرق فيه- من زاوية غرضنا البحثي- بين أن يقال: إنّ الخطأ يقع في قوّة واحدة من قوى النّفس الدرّاكة، أو انّ قوى النّفي الدرّاكة لو لوحظت كل قوّة قوّة، لا يقع فيها خطأ، بل الخطأ يقع من حيث تلفيق النّفس و إصدار أحكام ناتجة عن التلفيق بين مدركات القوى الدرّاكة كما يدعي الفلاسفة، كما لو رأينا شخصا أسودا و حكمنا عليه بأنّه إفريقي و هو ليس كذلك، فإنّ هذا خطأ في الحكم، لكن مردّ هذا الخطأ إلى حكمين لقوّتين درّاكتين كلاهما صواب في نفسه صحيحا، أحدهما أنّه أسود، و هو حكم لقوّة الإدراك الحسّي، و هو مطابق للواقع، و حكم آخر، و هو انّ هذا الأسود- على نحو القضية الكلية الغالبية- إفريقي، و هذا حكم عقلي صحيح، صدر من العقل، و هو مطابق للواقع، و لكن وقع الاشتباه من قبل النّفس في مقام استنتاج حكم ثالث من هاتين القوّتين فأخطأت.
و على كلّ حال، فهذا بحث فلسفي سواء أ كان صحيحا أم لا، لا ندخل فيه، و إنّما تحقيقه في الفلسفة، و لا دخل له في غرضنا سواء كان الخطأ يقع في قوّة دراكة واحدة، أو من التلفيق من قوّتين.
كما أنّه لا يفرق في غرض الإخباريين، حيث أنّ الدليل هو حصيلة هذه المدركات، حينئذ قالوا: بأنّ الدليل العقلي حيث يقع فيه الخطأ كما عرفت، فكيف يمكن أن يعوّل عليه؟
و قد نقل عن السيّد البروجردي (قده) قوله: انّ هذه النزعة الّتي ظهرت على أيدي الإخباريين- من عدم التعويل على الدليل العقلي و حصر المعرفة بالحس- يحتمل أن تكون قد تسربت إليهم من الاتجاه و النزعة التجريبية و الحسية في الفلسفة الأوروبية، لأنّ هذه النزعة الإخبارية كانت قد ظهرت عقيب تلك النزعة التجريبية الحسية، فكما أنّ تلك النزعة رفضت العقل و حصرت المعرفة بالحس،