بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٩٩ - التنبيه الثالث من تنبيهات القطع، هو البحث عن وجوب الموافقة الالتزامية في التكليف الشرعي و عدمه
و تحقيق الكلام في ذلك، يستوجب التكلم في عدّة أمور.
الأمر الأول: في أنّه كيف نتصور مانعية وجوب الموافقة الالتزامية عن إجراء الأصول العملية؟.
و هنا يمكن تصوير هذه المانعية ببيانات ثلاث.
١- البيان الأول: هو أنّه إذا وجب الالتزام بالحكم الواقعي المعلوم إجمالا، فإنّه يستحيل حينئذ جريان الأصول و الالتزام بها، لأنّه لو جاز الالتزام بجريانها أيضا للزم الالتزام بالمتنافيين، و هذا يستحيل صدوره من عاقل، إذ كيف نلتزم بطهارة أحد الإناءين مع الالتزام فعلا بنجاسة كل منهما بالاستصحاب، إذن فالالتزام بهذين الأمرين معا التزام بالمتنافيين، و هو مستحيل.
و هذا التقريب واضح البطلان، لأنّ المفروض في المقام أنّ متعلّق أحد الالتزامين حكم واقعي، و متعلّق الآخر حكم ظاهري، و المفروض انّنا جمعنا بين الأحكام الواقعية و الأحكام الظاهرية و لم نفترض تضادا و تنافيا بين الإباحة الواقعية و الحرمة الظاهرية، و حينئذ لا يكون الالتزام بهما معا التزاما بالمتنافيين.
و عليه: لا يكون هذا برهانا على استحالة جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي بناء على وجوب الموافقة الالتزامية.
٢- البيان الثاني: هو أنّ نفس الالتزام بالحكم الواقعي المعلوم إجمالا، مناف لجريان الأصول، و إن لم يكن التزاما بالمنافي، لأنّه لا منافاة بين الحكم الواقعي و الظاهري، لكن نفس الالتزام منافي، لأنّ الالتزام الجدي بإباحة شيء شرعا و واقعا لا يلائم مع الالتزام بحرمته استصحابا و ظاهرا، إذ الالتزام الجدي بإباحته يستدعي ترتب الأثر عليها، إذن فنفس الالتزام بالإباحة الواقعية ينافي جريان الاستصحاب،