بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٤ - دفع الدعوى
٢- اللازم الثاني: هو أنّه بناء على هذا التخريج، لا يمكن أن نستدل على وجوب التقليد بالسيرة العقلائية
، مع أنّ هذه السيرة من أهم الأدلة على وجوبه، و ذلك لأنّ هذه السيرة إنّما تدلّ على وجوب رجوع الجاهل إلى العالم و أهل الخبرة في مقام تشخيص الحكم المشترك، و لا تدلّ على التنزيل، لأنّه حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، و حينئذ، ينحصر دليل التقليد بالدليل الشرعي الّذي يمكن استفادة التنزيل منه، أو كما إذا قيل بانضمام ما يشبه الإطلاق المقامي إلى ذلك حيث يقال: بأنّ هذه السيرة لو خلّيت و طبعها لأوجبت رجوع العوام إلى المجتهدين كما يرجع إلى أهل الخبرة و لو غفلة عن الفرق بينهما، و حينئذ، فسكوت الشارع عن ذلك، مع احتمال كون الغفلة نوعية، يكون بنفسه دليل على الإمضاء لهذه السيرة، و بذلك تكون دليلا على وجوب التقليد.
٣- المقام الثالث: في أصل منشأ هذا الإشكال، و هو دعوى اختصاص الأحكام الظّاهرية بخصوص المجتهد.
فنقول: هناك عدّة مواضع و أسباب تكون هذه الدعوة بلحاظها.
منها: دعوى إنّ هذه الوظائف المقرّرة، كالبراءة و غيرها من أدلة الأحكام الظّاهرية إمارة أو أصلا قد أخذ في موضوعها وجوب الفحص، و الفحص مختصّ بالمجتهد.
[دفع الدعوى]
و يمكن دفعه، بأن يقال: بأنّ الفحص بعنوانه لم يؤخذ في موضوع البراءة و الاستصحاب، و أصالة العموم، و غيرها من أدلة الأحكام الظّاهرية، و إنّما المأخوذ في موضوع حجيّة أصالة العموم هو خروج العام عن معرضيته للتخصيص بنظر الخبير بذلك، فإذا فحص الخبير و لم يجد مخصصا، فإنّه حينئذ، يتحقّق بذلك موضوع الحجيّة في حق الخبير و غيره، و بهذا يثبت أنّ الحكم الظّاهري غير مختص بالمجتهد، و هكذا يقال في أصل البراءة و غيره ممّا أخذ الفحص شرطا في موضوع حجيته.