المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤١٤ - التنبيه الثاني (١) الشبهة العبائية أو استصحاب الفرد المردد
إذا عرفت هذا الضابط فالمثال الذي وقعت فيه الشبهة هو من النوع الثاني؛ لأن الموضوع للنجاسة المستصحبة ليس أصل العباءة أو الطرف الكلي منها، بل نجاسة الطرف الخاص بما هو طرف خاص إما الأعلى أو الأسفل.
و أما وجه عدم ورود المناقشة فهو: أن المفروض في مثل الحدث بناء على موضوعية كلي الحدث لأحكام شرعية اجتماع أركان الاستصحاب من اليقين و الشك و الأثر الشرعي في الكلي، فلا مانع من استصحابه. و الشك في كل من الخصوصيتين قادح في استصحاب الشخص لا في استصحاب الكلي. فاستصحاب كلي الحدث بعد الوضوء لا مانع منه بعد اليقين بحدوثه و الشك في بقائه و كونه موضوعا للأثر الشرعي، و كل مورد يكون مثل الحدث في ترتب الأثر الشرعي على الكلي يجري فيه استصحاب الكلي بلا مانع، و لا يقدح في استصحابه القطع بارتفاع أحد الفردين، لما مر آنفا من اجتماع أركانه في نفس الكلي. و هذا بخلاف المقام، فإن الأثر الشرعي و هو نجاسة ملاقي العباءة مترتب على نجاسة خصوص الطرف غير المغسول، لا على كلي النجاسة، و من المعلوم: توقف نجاسة الملاقي على نجاسة الملاقى سواء قلنا بالسراية أم بالتعبد، و قد عرفت إنه لا سبيل إلى إحرازها لا وجدانا و لا تعبدا، بل قد تقدم في بعض تعاليق هذا التنبيه منع جريان استصحاب الكلي في الحدث رأسا، لما مر من: إن كلي الحدث لم تثبت موضوعيته لحكم شرعي حتى يجري فيه الاستصحاب، لعدم كون عنوان الحدث الجامع موضوعا في الأدلّة النقلية لأحكام شرعية، بل الحدث عنوان انتزاعي، و ليس بنفسه موضوعا للحكم الشرعي، فلا يجري فيه الاستصحاب حتى يستند إليه تنجز الحكم، بل تنجزه يستند إلى العلم الإجمالي.
و قد أجاب المحقق العراقي (قدس سره) عن الشبهة العبائية بعد بيان مقدمتين: أحدهما: كون الطهارة و النجاسة من سنخ الأعراض الخارجية الطارئة على الموجودات الخارجية بحيث لا تعرض شيئا إلّا بعد الفراغ عن وجوده خارجا، لا من سنخ الأحكام التكليفية المتعلقة بالطبيعة الصرفة القابلة للانطباق خارجا. و ثانيهما: توقف صحة استصحاب الشيء على ترتب الأثر الشرعي عليه بنحو مفاد كان التامة أو الناقصة؛ بأن كان عدم الحكم بنجاسة الملاقي في الغرض المزبور إنما هو لأجل ترتب نجاسته على نجاسة الملاقى بالفتح بمفاد كان الناقصة، لا من آثار وجود النجاسة بمفاد كان التامة، و من المعلوم:
إن مثل هذا العنوان لم يتعلق به اليقين السابق حتى يجري فيه الاستصحاب، ضرورة: أن كل واحد من طرفي العباءة من الأعلى و الأسفل مشكوك النجاسة من الأول، و الجامع بين المحلين بمقتضى المقدمة الأولى لا يكون معروضا للنجاسة، و إنما المعروض لها هو الطبيعي الموجود في ظرف انطباقه على هذا الطرف أو ذاك الطرف الذي عرفت عدم تعلق اليقين به. و أما استصحاب نجاسة القطعة الشخصية المرددة فهو من استصحاب الفرد المردد الذي عرفت عدم جريانه فيه.
و أما صرف الوجود من النجاسة في العباءة بمفاد كان التامة فاستصحابه و إن كان جاريا، لتمامية أركانه من اليقين بالوجود و الشك في البقاء، لكنه بهذا العنوان لا يجدي في الحكم بنجاسة الملاقي بالكسر، لأنه من آثار كون الملاقى بالفتح نجسا بمفاد كان الناقصة حتى تسري النجاسة منه إلى