المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٥ - ١- تعريف الحجة عند اللغويين
و ذلك بأن يكون به الظفر على الغير عند الخصومة معه. و الظفر على الغير على
الاجتناب عنه قياس غير منتج لأنّ قولنا: و كلّ معلوم الخمريّة خمر كاذبة، «إذ معلوم الخمرية يمكن أن يكون خمرا، و يمكن أن لا يكون، و وجوب الاجتناب لم يترتب على معلوم الخمرية بل على الخمر الواقعي؛ لأن الكلام في القطع الطريقي فلا يكون علقة ثبوتية بين العلم و بين الأكبر لا علقة التلازم و لا علقة العلية و المعلولية، و ما لم يكن علقة لا يصلح جعله وسطا فلا يكون حجة باصطلاح المنطقي».
[الأصول العامة للفقه المقارن للسيد محمّد تقي الحكيم بتصرف].
٣- الحجة عند الأصوليين:
«أما الأصوليون: فإن لهم اصطلاحهم الخاص فيها، فهم يطلقونها على خصوص الأدلة الشرعية من الطرق و الأمارات التي تقع وسطا لإثبات متعلقاتها بحسب الجعل الشرعي، من دون أن يكون بينها و بين المتعلقات علقة ثبوتية بوجه من الوجوه». و بعبارة أخرى: الحجة عند الأصوليين: هو ما يكون واسطة في الإثبات شرعا، كالأدلة الاجتهادية و القواعد المعتبرة التي نثبت بها الأحكام، و كالبيّنة و قول ذي اليد و نحوهما مما تثبت به موضوعاتها، فكل ما يكون معتبرا شرعا تأسيسا أو إمضاء و يثبت به حكم أو موضوعه، تطلق عليه الحجة باصطلاح الأصول. و الظاهر عدم الاختصاص لها بالأصول حتى تكون اصطلاحا خاصا فيه، لأن الواسطة في الإثبات شائعة في جميع العلوم، فكل ما يكون منشأ لإثبات مورده عقلا أو عرفا أو شرعا، يسمى دليلا و حجة و واسطة في الإثبات.
و عن جمع منهم شيخنا المحقق النائيني (قدس سره): عدم صحة إطلاق الحجة على القطع بهذا المعنى، لعدم كونه واسطة في الإثبات شرعا، لما قالوا من أن اعتباره عقلي و لا يمكن الجعل الشرعي بالنسبة إليه، و هناك رد على هذا الإشكال راجع كتاب: تهذيب الأصول، للسيد عبد الأعلى السبزواري.
ج ٢، ص ١٥.
و من الواضح: عدم الارتباط الواقعي بين نفس الأمارة و ما تقوم عليه، سواء كان موضوعا خارجيا أم حكما شرعيا، أما الموضوع الخارجي: فواضح جدا لبداهة عدم الارتباط بين الظن بخمرية شيء و بين الخمر الواقعي، لا على العلية و المعلولية و لا على نحو التلازم؛ لأن الظن بخمرية ماء مثلا لا يكون علة في تحويل ذلك الماء إلى خمر واقعي، كما إنه لا تلازم واقعا بين هذا الظن و ثبوت مؤداه.
و أما في الأحكام: فأمرها واضح؛ لأن الأحكام إنما ترد على موضوعاتها الواقعية لا على ما قام عليه الظن؛ إلّا على قسم من مباني القائلين بالتصويب، و سيأتي الكلام فيها في موضعه، و الظن لا يزيد على كونه واسطة في إثبات متعلقه لا ثبوته.
و الظاهر أن منشأ إطلاق كلمة الحجة على القياس عند المناطقة و على الطرق الشرعية و الأمارات عند الأصوليين هو كونهما من صغريات ما يصح الاحتجاج به عقلا، و قد ضيقوها تبعا لحاجتهم في الاصطلاح.
فالحجية اللغوية إذا: أوسع نطاقا منها عند المناطقة و الأصوليين لصدقها بحكم ما يتبادر منها على كل ما يصلح الاحتجاج به علما كان أو أمارة أو أصلا، شريطة أن تتوفر فيه جنبة اعتراف الشارع به و تنبيه من قبله باعتباره مشرّعا أو سيدا للعقلاء.