المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٧٢ - ١٥- الحجية أمر اعتباري أو انتزاعي
و من هذا المثال يظهر: كيف أن الأحكام التكليفية اعتبارات شرعية، لأن الآمر حينما يريد من شخص أن يفعل فعلا ما فبدلا من أن يدفعه بيده مثلا ليحركه نحو العمل ينشئ الأمر بداعي جعل الداعي في دخيلة نفس المأمور، فيكون هذا الإنشاء للآمر دفعا و تحريكا اعتباريا تنزيلا له منزلة الدفع الخارجي باليد مثلا، و كذلك النهي زجر اعتباري تنزيلا له منزلة الردع و الزجر الخارجي باليد مثلا.
و كذلك يقال في حجية الأمارة المجعولة، فإن القطع لما كان موصلا إلى الواقع حقيقة و طريقا بنفسه إليه، فالشارع يعتبر الأمارة الظنية طريقا إلى الواقع تنزيلا لها منزلة القطع بالواقع بإلغاء احتمال الخلاف، فتكون الأمارة قطعا اعتباريا و طريقا تنزيليا.
و متى صح و أمكن أن تكون الحجية هي المعتبرة أوّلا و بالذات فما الذي يدعو إلى فرضها مجعولة ثانيا و بالعرض، حتى تكون أمرا انتزاعيا؟ إلا أن يريدوا من الانتزاعي معنى آخر، و هو ما يستفاد من دليل الحكم على نحو الدلالة الالتزامية، كأن تستفاد الحجية للأمارة من الأمر باتّباعها مثل ما لو قال الإمام (عليه السلام): «صدّق العادل» الذي يدل بالدلالة الالتزامية على حجية خبر العادل و اعتباره عند الشارع.
و هذا المعنى للانتزاعي صحيح و لا مانع من أن يقال للحجية أنها أمر انتزاعي بهذا المعنى. و لكنه بعيد عن مرامهم؛ لأن هذا المعنى من الانتزاعية لا يقابل الاعتبارية بالمعنى الذي شرحناه.
و على كل حال: فدعوى انتزاعية الحجية بأي معنى للانتزاعي لا موجب لها (١)، لا سيما إنه لم يتفق ورود أمر من الشارع باتّباع أمارة من الأمارات في جميع ما بأيدينا من الآيات و الروايات؛ حتى يفرض أن الحجية منتزعة من ذلك الأمر.
هذا كل ما أردنا بيانه من المقدمات قبل الدخول في المقصود. و الآن نشرع في البحث عن المقصود، و هو تشخيص الأدلة التي هي حجة على الأحكام الشرعية من قبل الشارع المقدس. و نضعها في أبواب.
***
(١) أي: لا موجب لتسميتها انتزاعية، لأنه إذا قلنا: أن الانتزاعية هي المجعول ثانيا و بالعرض فقد سبق أن أثبتنا أن الحجية مجعولة أولا و بالذات، و إذا قلنا: الانتزاعية ما تستفاد من الدلالة الالتزامية فهذا لا يقابل الأمر الاعتباري بل هي اعتباري.