المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٦٨ - ١٤- المصلحة السلوكية
و لا ينبغي أن يتوهم أن القول بالمصلحة السلوكية هي نفس ما ذكرناه في أحد وجهي تصحيح الطريقية من فرض مصلحة التسهيل؛ لأن الغرض من القول بالمصلحة السلوكية: أن تحدث مصلحة في سلوك الأمارة تعود تلك المصلحة لشخص المكلف لتدارك ما يفوته من مصلحة الواقع، بينما أن غرضنا من مصلحة التسهيل مصلحة نوعية قد لا تعود لشخص من قامت عنده الأمارة، و تلك المصلحة النوعية مقدمة في مقام المزاحمة عند الشارع على مصلحة الواقع التي قد تفوت على شخص المكلف.
و إذا اتضح الفرق بينهما نقول: إن القول بالمصلحة السلوكية و فرضها يأتي بالمرتبة الثانية للقول بمصلحة التسهيل، يعني: أنه إذا لم تثبت عندنا مصلحة التسهيل، أو قلنا بعدم تقديم المصلحة النوعية على المصلحة الشخصية- و لم يصح عندنا أيضا احتمال مساواة خطأ الأمارات للعلوم- فإنا نلتجئ إلى ما سلكه الشيخ من المصلحة السلوكية إذا استطعنا تصحيحها، فرارا من الوقوع في التصويب الباطل.
و أما نحن فإذا ثبت عندنا أن هناك مصلحة التسهيل في جعل الأمارة تفوق المصالح الشخصية و مقدمة عليها عند الشارع، أصبحنا في غنى عن فرض المصلحة السلوكية.
على أن المصلحة السلوكية إلى الآن لم نتحقق مراد الشيخ منها، و لم نجد الوجه لتصحيحها في نفسها، فإن في عبارته شيئا من الاضطراب و الإيهام، و كفى أن يقع في بعض النسخ زيادة كلمة (الأمر) على قوله: «إلّا أن العمل على طبق تلك الأمارة»، فتصير العبارة هكذا: «إلّا أن الأمر بالعمل ...»، فلا يدرى مقصوده هل إنه في نفس العمل مصلحة سلوكية أو في الأمر به؟ و قيل: أن هذا التصحيح وقع من بعض تلامذته إذ أو كل إليه أمر تصحيح العبارة بعد مناقشات تلاميذه لها في مجلس البحث.
(الثاني): ما ينسب إلى المعتزلة و هو: أن تكون هناك أحكام واقعية ثابتة في نفسها يشترك فيها العالم و الجاهل. و لكن لرأي المجتهد أثرا في تبدل عنوان موضوع الحكم أو متعلقه، فتحدث على وفق ما أدى إليه رأيه مصلحة غالبة على مصلحة الواقع، فينشئ الشارع أحكاما ظاهرية ثانوية غير الأحكام الواقعية. و هذا المعنى من التصويب ترجع إليه السببية المحضة. و إنما كان هذا تصويبا باطلا لأن معناه خلو الواقع عن الحكم حين قيام الأمارة على خلافه. (المصنّف).