المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٦٦ - ١٤- المصلحة السلوكية
نعم إذا منع مانع عقلي من فرض الأمارة طريقا من جهة الشبهة المتقدمة أو نحوها، فلا بدّ أن تخرج على خلاف طبعها و نلتجئ إلى فرض السببية.
و لما كنا دفعنا الشبهة في جعلها على نحو الطريقية فلا تصل النوبة إلى التماس دليل على سببيتها أو طريقيتها، إذ لا موضع للترديد و الاحتمال لنحتاج إلى الدليل.
*** هذا و قد يلتمس الدليل على السببية من نفس دليل حجية الأمارة بأن يقال: أن دليل الحجية- لا شك- يدل على وجوب اتّباع الأمارة. و لما كانت الأحكام تابعة لمصالح و مفاسد في متعلقاتها، فلا بدّ أن يكون في اتّباع الأمارة مصلحة تقتضي وجوب اتّباعها و إن كانت على خطأ في الواقع. و هذه هي السببية بعينها.
أقول: و الجواب عن ذلك واضح فإنّا نسلم أن الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد، و لكن لا يلزم في المقام أن يكون في نفس اتّباع الأمارة مصلحة، بل يكفي أن ينبعث الوجوب من نفس مصلحة الواقع، فيكون جعل وجوب اتّباع الأمارة لغرض تحصيل مصلحة الواقع. بل يجب أن يكون الحال فيها كذلك؛ لأنه- لا شك- أن الغرض من جعل الأمارة هي الوصول بها إلى الواقع، فالمحافظة على الواقع و الوصول إليه هو الباعث على جعل الأمارة لغرض تنجيزه و تحصيله، فيكون الأمر باتّباع الأمارة طريقا في تحصيل الواقع.
و لذا نقول: إذا لم تصب الواقع لا تكليف هناك و لا تدارك لما فات من الواقع، و ما هي إلّا المعذرية في مخالفته و رفع العقاب على المخالفة لا أكثر، و هذه المعذرية تقتضيها نفس الرخصة في اتّباع الأمارة التي قد تخطئ.
و على هذا، فليس لهذا الأمر الطريقي المتعلق باتّباع الأمارة بما هو أمر طريقي مخالفة و لا موافقة؛ لأنه في الحقيقة ليس فيه جعل للداعي إلى الفعل الذي هو مؤدى الأمارة مستقلا عن الأمر الواقعي، و إنما هو جعل للأمارة منجّزة للأمر الواقعي، فهو موجب لدعوة الأمر الواقعي، فلا بعث حقيقي في مقابل البعث الواقعي فلا تكون له مصلحة إلّا مصلحة الواقع، و لا طاعة غير طاعة الواقع، إذ لا بعث فيه إلّا بعث الواقع.
١٤- المصلحة السلوكية:
ذهب الشيخ الأنصاري (قدس سره) إلى فرض المصلحة السلوكية في الأمارات