المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٦٥ - ١٣- الأمارة طريق أو سبب
هذا البحث لبيان هذا الخلاف.
فإن ذلك من الأمور التي وقعت أخيرا موضع البحث و الرد و البدل عند الأصوليين، فاختلفوا في إن الأمارة هل هي حجة مجعولة على نحو (الطريقية)، أو إنها حجة مجعولة على نحو (السببية)؟ أي: أنها طريق أو سبب.
و المقصود من كونها (طريقا): أنها مجعولة لتكون موصلة فقط إلى الواقع للكشف عنه، فإن أصابته فإنه (١) يكون منجّزا بها (٢) و هي منجّزة له (٣)، و إن أخطأته فإنها حينئذ تكون صرف معذر للمكلف في مخالفة الواقع.
و المقصود من كونها (سببا): أنها تكون سببا لحدوث مصلحة في مؤداها تقاوم تفويت مصلحة الأحكام الواقعية على تقدير الخطأ، فينشئ الشارع حكما ظاهريا على طبق ما أدّت إليه الأمارة (٤).
و الحق أنها مأخوذة على نحو (الطريقية).
و السر في ذلك واضح بعد ما تقدم، فإن القول بالسببية- كما قلنا- مترتب على القول بالطريقية، يعني: أن منشأ قول من قال بالسببية هو العجز عن تصحيح جعل الطرق على نحو الطريقية، فليلتجئ إلى فرض السببية.
أما إذا أمكن تصحيح الطريقية فلا يبقى دليل على السببية، و يتعين كون الأمارة طريقا محضا؛ لأن الطريقية هي الأصل فيها.
و معنى أن الطريقية هي الأصل: أن طبع الأمارة لو خلّيت و نفسها يقتضي أن تكون طريقا محضا إلى مؤداها؛ لأن لسانها التعبير عن الواقع و الحكاية و الكشف عنه. على أن العقلاء إنما يعتبرونها و يستقر بناؤهم عليها فلأجل كشفها عن الواقع، و لا معنى لأن يفرض في بناء العقلاء أنه على نحو السببية، و بناء العقلاء هو الأساس الأوّل في حجيّة الأمارة كما سيأتي.
(١) أي: فإن الواقع.
(٢) أي: بالأمارة.
(٣) أي: الواقع.
(٤) فإذا قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة مثلا، فالشارع يجعل الحكم على طبقها، أي:
يجعل وجوب صلاة الجمعة. و هذا ما يسمى بالسببية المحصلة الذي يلزم منها التصويب، بمعنى: أن الأمارة دائما تكون مصيبة.