المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٨٥ - الباب الرابع أصالة التخيير في حالة الدوران بين المحذورين
قد يتعلق العلم الإجمالي بوجوب شيء أو حرمته، فجنس الإلزام و إن كان معلوما لكنه بالخطاب الوجوبي يقتضي الفعل، و بالخطاب التحريمي يستدعي الترك و لا يمكن الجمع بين النوعين. و هذا المورد أحد الموانع التي يسقط فيها العلم الإجمالي عن التنجيز لطرفيه معا أو واحد منهما معينا، و هما: الفعل، و الترك فلا يمكن الاحتياط فيه لعدم إمكان الأول تكوينا (نظرا إلى عدم خلو الإنسان في الأكوان (١) عن الفعل و الترك)، و استلزام الثاني الترجيح بلا مرجح المستحيل عقلا.
و مع هذا الوصف تختلف حال المسألة حكما باختلاف المسالك في جريان التخيير العقلي و أصالة الإباحة الشرعية أو التخيير الشرعي أو البراءة العقلية و الشرعية أو كليهما بإضافة استصحاب عدم التكليف، أو تقديم الأخذ بالحرمة أو عدم جريان أيّ واحد منها و الرجوع إلى التوقف، و الأخير هو مختار شيخنا الأعظم الأنصاري في مسألة البراءة و الاشتغال، و في مقصد القطع اختار التخيير العقلي.
و المختار على نحو الاختصار هو: التفصيل بين قدرة المكلف على المخالفة القطعية و بين عجزه عنها.
و وجه التفصيل: أن في صورة قدرته عليها و هي: ما إذا كان الدوران بين الوجوب و الحرمة التوصليين (٢) أو التعبديين (٣) في الواقعة المتعددة أو أحدهما المعين
(١) أي: الأكوان الأربعة: الافتراق، الاجتماع، الحركة، السكون. (المصنّف).
(٢) كما لو علم إجمالا بصدور حلفين أحدهما على فعل شيء و الآخر على ترك أمر آخر و اشتبه الأمران في الخارج، هذا مثل لتعدد الواقعة دفعيا. و المثال لتعددها تدريجيا: أن يعلم إجمالا بتعلق الحلف بإيجاد فعل في زمان و بتركه في زمان آخر، و اشتبه الزمانان. (المصنّف).
(٣) مثل المرأة المردد أمرها بين الطهر و الحيض. ففي مسألة صومها: يتردد أمر إمساكها و إفطارها بين الوجوب و الحرمة، فلو كانت طاهرة يجب عليها الإمساك عن المفطرات بقصد القربة، و يحرم عليها نية القطع أو القاطع، و لو كانت حائضا يحرم عليها نية الصيام بناء على أن الحائض ممنوعة ذاتا عن العبادة لا تشريعا، و يجب عليها ترك نية الإمساك، فهي متمكنة من المخالفة القطعية بأن تصوم بعنوان