المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٨٠ - دوران الأمر بين الأقل و الأكثر (١)
كسابقه طابق النعل بالنعل، فإنه إذا شك في سببية الغسلة الثالثة لحصول الطهارة فهو شك في دخالة أمر زائد خارج عن بيان المولى فيما يهتم به من غرضه، فالزائد يكون لا محالة مجرى لأصالة البراءة.
و هي و إن لا تثبت كون الأقل هو المكلف به معينا كاستصحاب عدم وجوب الأكثر- إلّا على القول بالأصل المثبت- غير إن في ترك الأكثر لا بأس من القطع بالعقاب أو الخوف منه، و هذا بعكس الأقل فإنه متيقن الوجوب إما نفسا و استقلالا أو ضمنا و غيريا، فهو لا يترك و إلّا يقطع بالعقاب أو يخاف منه.
هذا في التوصليات، و هكذا الحال في التعبديات، فإن كان الأقل و الأكثر تعبديين لا إشكال و لا توقف في جريان ما ذكر فيهما إلّا في كيفية قصد القربة مع تردد وجوب الأقل بين النفسي و الضمني المقدمي.
و لكن ينبغي أن يقال: إنه من هذه الجهة أيضا بلا إشكال، إذ يكفي فيه الإتيان بالأقل قاصدا للتخلص عن العقاب امتثالا لأمر يضاف و ينسب إلى مشية رب الأرباب، فإن هذا و إن كان بحسب المرتبة أدنى المراتب للتقرب إلّا أنها من الغايات المعتبرة المعدودة للعبادات كما عليه الشيخ الأعظم في فرائده (١)، و غيره في المباحث الفقهية.
هكذا الحال في جميع صور الدوران في الأجزاء و الشرائط و الموانع، فإن الحق في الجميع: جواز الأخذ بطرف الأقل و إجراء البراءة عن الأكثر.
نعم هناك حالة من حالات الدوران ليست من الأقل و الأكثر و إنما هي من المتباينين، و مع ذلك لا يتنجز فيها العلم الإجمالي و هي حالة دوران الواجب بين التعيين و التخيير، من دون فرق بين أن يكون التخيير الممكن عقليا أو شرعيا (٢)، و يتوضح ذلك بذكر مثال للتخيير العقلي:
و هو أن يعلم إجمالا إما بوجوب إكرام زيد مطلقا و على أي نحو كان، و إما بوجوب إكرامه على نحو خاص معين و هو إعطاء رداء له.
(١) في أواسط بحث الأقل و الأكثر. (المصنّف).
(٢) لقد وضح الشيخ الأستاذ (قدس سره) في (الواجب التخييري و التعييني) الفرق بينهما: بأن أطراف الواجب التخييري إن كان بينها جامع يمكن توجه الطلب نحوه، فهو عقلي و إلّا فهو شرعي، و إن شئت فراجع. (المصنّف).