المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٧٧ - دوران الأمر بين الأقل و الأكثر (١)
عبارة: إما هذه باطلة و إما تلك باطلة، بل المعلوم: بطلان صلاة العصر وجدانا و بطلان صلاة الظهر مشكوك بدوا، تجري فيها البراءة عن وجوب إعادتها، و هذا معنى: الانحلال الحقيقي و الانحلال الحكمي.
إلى هنا كان الكلام في دوران الأمر بين المتباينين بجميع الأقسام:
دوران الأمر بين الأقل و الأكثر (١):
و هي على قسمين:
١- استقلالي: كالعلم باشتغال الذمة بمقدار من الدين تردد بين الأقل و الأكثر (٢).
(١) بيان الفرق بين المتباينين، و الأقل و الأكثر الارتباطين و الاستقلاليين، أما المتباينان: فقد مضى تعريفهما سابقا من الشك في المكلف به، و حاصله: عدم انطباق أحد طرفي الترديد على الطرف الآخر، سواء كان التباين ذاتيا كما في الصوم و الإطعام إذا تردد التكليف بينهما، أم عرضيا كما في القصر و التمام، فإن القصر و إن كان بعض التمام و جزء له، لكنه لمّا لوحظ بشرط لا و التمام بشرط شيء صارا متباينين بالعرض، و لذا يتوقف الاحتياط على رعاية التكليف في كل واحد من الطرفين، و أما الأقل و الأكثر: فطرفا الترديد يمكن اجتماعهما بالإتيان بالأكثر [١].
(٢) المراد من المركب الاستقلالي هنا: هو ما تألف من أشياء يتعلق بها أوامر لا ملازمة بينها ثبوتا و سقوطا، بل يكون لكل واحد منهما إطاعة مستقلة، و عليه: فالحكم في المركب الاستقلالي متعدد بتعدد أفراد المركب الاستقلالي، فإن أداء الأقل لا يسقط الأكثر و كذا العكس لأن الأمر المتعلق بالأقل نفسي استقلالي أيضا، و يترتب الغرض عليه مطلقا و لو مع عدم أداء و تحقق الأكثر، نظير الدين و قضاء الفوائت و قضاء شهر رمضان إذا ترددت بين الأقل و الأكثر، فإن أداء الأقل من الدين و قضاء الفوائت و قضاء صوم شهر رمضان يوجب سقوط أوامرها و إن كان الأكثر واجبا واقعا، و يجب امتثاله أيضا، حيث أن وجوب الأكثر استقلالي كوجوب الأقل.
و مثال آخر على المركب الاستقلالي: صيام شهر رمضان، فإن صحة الصيام في أي يوم من شهر رمضان لا تتوقف على صيام أيامه بالكامل، و لا يسقط وجوب الصوم لبقية أيام شهر رمضان، بل لكل يوم تكليفه المستقل.
و هذا المركب الاستقلالي، و إن تردد بين الأقل و الأكثر فهو خارج عن موضوع المقام و مبحث الاحتياط بل هو داخل في باب البراءة؛ لأن الأقل في المركب الاستقلالي معلوم الوجوب، و لا رابط بينه و بين الأكثر، فينحل العلم الإجمالي من حيث التنجيز، و يرجح الشك في الزائد إلى الشك في نفس التكليف، و الأصل فيه البراءة [٢].
[١] راجع: منتهى الدراية، ج ٦، ص ١٨٩.
[٢] راجع: منتهى الدراية، ج ٦، ص ١٩٠، مع التصرف.