المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٧٢ - الميزان لمعرفة الشبهة الموضوعية التي لم تجر فيها البراءة
و كذا الحال فيما شك في متعلق التكليف على النحو المزبور، كأن شك في أن تكلما خاصا هل هو كذب؟ فتجري البراءة عن حرمته.
مثال آخر للشك في قيد من قيود التكليف على مفاد كان التامة و هليّة المركبة:
الشك في وقوع آية من الآيات لوجوب صلاتها، فإن الوجود الخارجي للآية قيد لوجوب الصلاة، و الوجود الخارجي لشيء يكون بمفاد كان التامة لا محالة.
و مثال الثاني: وجوب الوضوء مشروط بوجود الماء المطلق، فإذا شك في ماء أنه مطلق أو مضاف، لا يصح له أن يكتفي بالوضوء بالماء المشكوك لأنه شك في الامتثال و حصول المحصّل، فعليه أن يحصل على ماء يطمئن أنه مطلق كي يحرز الامتثال، إذ الوجوب الشرطي للوضوء بالإضافة إلى طبيعة الماء أخذ على نحو البدلية و صرف الوجود (لا على نحو الانحلالية و الشمول كي يكون الوضوء بكل فرد من الماء صحيحا)، و من هذا البيان يظهر: أن لجريان البراءة في الشبهات الموضوعية معيارا ظريفا يلزم التنبيه عليه حتى لا يقع المفتي على خلاف الواقع، فإن في قسم منها يتحتم وجوب الموافقة القطعية و هو يساوق مفاد قاعدة الاشتغال كما أشرنا إليه.
و ملخص هذا القسم هو: أن يكون التكليف و موضوعه و جملة من قيوده معلوما؛ و إنما الشك في قيد من قيود المتعلق تردد حصوله بين هذا و ذاك مثل: ماء يشك في أنه مطلق أو مضاف و مسلم أن وجوب الوضوء بالإضافة إلى هذا القيد مأخوذ بدلا.
أو يشك في موضوع التكليف و كان إسناده إلى الموضوع المشكوك بدليا أيضا، مثل قوله: أكرم عالما، حيث لا يجوز الاقتصار بإكرام من يشك في أنه عالم لأنه من الشك في الامتثال و هو مجرى لأصالة الاشتغال.
و الشغل اليقيني يستدعي فراغ العهدة على نحو اليقين جار فيه و في نحوه من قبيل: ما لو لاقى شيء لجميع الأطراف المشتبهة بالنجس المعلوم إجمالا و الملاقي لأحد المائعين المشتبهين بالنجس و في مرتبته ملاقي المشتبه الآخر، فإن الأول معلوم النجاسة تفصيلا. و الثاني أصل الطهارة فيه معارض مع أصل الطهارة للملاقي الآخر، و عليه: لا مناص من الاجتناب عن الملاقيين لحدوث علم إجمالي ثان بنجاسة أحدهما.