المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٦٩ - الاستدلال على الاحتياط بدليل عقلي (١)
و الكلام إلى هنا كان في ذلك.
لا يقال: أن الشبهات الحكمية من المشكوكات المقترنة بالعلم الإجمالي بوجود أحكام كثيرة غير معينة في الشريعة المقدسة- بعد إكمال الدين- اختفت على الناس مصادرها و مخارجها من الأدلّة و الأمارات بظلم الظلمة و غصب الغصبة، فهي ليست من الشكوك الابتدائية (الساذجة البسيطة)، و لا يمكن إجراء البراءة حينئذ.
و هذا هو الدليل الآخر على وجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية التحريمية الموسوم بالدليل العقلي (١)، جائيا من قبل العلم الإجمالي بوجود تكاليف محرمة فقدت أدلتها عن نظر المتشرعة.
فإنه يقال: إن هذا الإشكال له وجه لو لم يكن في أدلة البراءة ما يدل عليها بعد عملية الفحص عن البيان نحو الآية الشريفة: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (٢) بتقريب تقدم.
ورد على هذا الوجه: من منع كون الأصل في الأشياء الحظر بل العكس من ذلك فالأصل في الأشياء الإباحة.
ثانيا: أنه ورد الدليل على الترخيص و الإباحة، و قد تم ذكر الأدلّة على ذلك. فراجع.
حكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل: أي العقاب المحتمل، إن احتمال التكليف يلازم احتمال المصلحة أو المفسدة بناء على ما هو الحق من تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد، و عليه: فمخالفة محتمل الحرمة توجب احتمال الضرر الناشئ من الملاك و هو المفسدة، لأنها ضرر على المكلف، و دفع الضرر واجب، فيجب امتثال محتمل الحرمة.
و قد تقدم تفصيل الكلام فيه و إنه لو كان المراد من الضرر الضرر الأخروي: فلا صغرى لهذه القاعدة، لورود قاعدة قبح العقاب بلا بيان عليها، كما تقدم تفصيله، و إن كان المراد الضرر الدنيوي: ففي كثير من الموارد ليس الضرر الدنيوي ملاك الحكم، و إن كان في بعض الموارد. فاحتمال الضرر ليس موجبا للزوم دفع المحتمل، بل ربما يرتكب العقلاء مقطوع الضرر لأجل أغراض عندهم، فارتكاب محتمل الضرر الدنيوي ليس ممنوعا عند العقل، خصوصا إذا كان الضرر متداركا من قبل الشارع لترخيصه [١].
(١) لم نتعرض لأدلة الاحتياطيين غير شيء من السنة، و هذا الدليل العقلي مع أنهم تمسكوا لإثبات غرضهم بآيات قرآنية أيضا، لكن لما كان تقريب دلالتها عليه موهونا جدا، صفحنا عن ذكرها و تعرّض الجواب عنها. و إن أردت فعليك بالكتب المطولة الأصولية. (المصنف).
(٢) الإسراء: ١٥.
[١] راجع: منتهى الأصول، ج ٢، ص ٢٧٢/ منتهى الدراية، ج ٥، ص ٤٠٩.