المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٦٨ - الاستدلال على الاحتياط بدليل عقلي (١)
و لكن كل ذلك فرض في فرض لا تصل النوبة إليه بعد ما قدمنا نموذجا من التحقيق الحقيق على عدم القصور لأدلة البراءة في إيفاء المقصود. هذا كله في الشك البدوي في التكليف، و هو على قسمين:
قسم متضمن لاحتمال الوجوب فقط و في مقابله احتمال عدم الوجوب مثل:
احتمال وجوب الصلوات عند ذكر اسم النبي (صلى الله عليه و آله). أو احتمال الحرمة فقط و في مقابله احتمال عدمها مثل: احتمال حرمة شرب الدخان.
و قسم متضمن لاحتمال الوجوب و الحرمة معا في شيء و احتمال عدمهما فيه، مثل: صلاة يوم العيد في عصر الغيبة.
و هذا القسم الثاني أيضا مشمول لأدلة البراءة نقلا كما تقدم و عقلا من قاعدة:
قبح العقاب بلا بيان، على المشهور، فالمكلف مرخص في الإتيان بالصلاة و تركها.
الاستدلال على الاحتياط بدليل عقلي (١):
علم مما تقدم: أن البراءة مجرى للشبهات الحكمية في موارد الشكوك البدوية،
(١) بعد أن فرغ المصنف من بيان الدليل النقلي على وجوب الاحتياط في الشبهة البدوية بعد الفحص تعرض للدليل العقلي، قال صاحب الكفاية في كفايته: «و أما العقل، فلاستقلاله بلزوم فعل ما احتمل وجوبه و ترك ما احتمل حرمته حيث علم إجمالا بوجود واجبات كثيرة فيما اشتبه وجوبه أو حرمته مما لم يكن هناك حجة على حكمه تفريغا للذمة بعد اشتغالها، و لا خلاف في لزوم الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي»، و الجواب: أن العقل و إن استقل بلزوم الاحتياط، إلّا أن لزوم الاحتياط في الأطراف مشروط بما إذا لم ينحل العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي و شك بدوي، و قد انحل هنا و قد بينّا كيفية انحلاله سابقا فراجع.
و بالجملة: إن العقل يحكم بوجوب الاحتياط بملاك وجوب دفع الضرر المحتمل مع ملاحظة العلم الإجمالي بالتكاليف. هذا ما لم ينحل العلم الإجمالي، و إلّا فحكم العقل يرتفع في هذه الصورة المرتبطة بوجود العلم الإجمالي.
أصالة الحظر:
ثم قال صاحب الكفاية: «و ربما استدل بما قيل: من استقلال العقل بالحظر في الأفعال ...»، إن الأصل في الأشياء في غير الضروريات: الحظر أي: أن العقل يحكم بعدم جوازها ما لم يرد رخصة من الشارع فيها، و قد ذهب إلى هذا القول الكثير من العلماء البغداديين- كما في عدة الأصول- و طائفة من الإمامية، و وافقهم عليه جماعة من الفقهاء، و نظرهم في ذلك إلى أن الأشياء مملوكة لله تعالى، فلا يجوز التصرف فيها بدون إذنه، لعدم جواز التصرف في ملك الغير إلّا بإذنه» [١].
[١] راجع: منتهى الدراية، ج ٥، ص ٤٠.