المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٦٥ - ٥- معتبر عمر بن حنظلة (٤)
و أمر بيّن غيه فيجتنب، و أمر مشكل يرد علمه إلى اللّه و إلى رسوله، قال رسول اللّه «ص»: حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم». إلى أن قال: «فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات» (١).
و هذا صنف ثالث معروف بأنه من أخبار التثليث و ذيله من الصنف الثاني.
و الإنصاف: أن لسان الصنف الأول لسان الصنف الأول لسان النصيحة و الإرشاد إلى أن الاحتياط
منجزا بمنجز سابق، كالعلم الإجمالي» [١].
و أما تقريب الاستدلال بأخبار التثليث: أن الهلاك ظاهر في العقاب، و رتبه على الاقتحام في الشبهات التحريمية كما هو الظاهر، فإذا كان في الاقتحام فيها عقاب فيجب فيها الاحتياط.
و فيه: أن التجنب عن الشبهات التحريمية يوجب في النفس ملكة و حالة رادعة عن ارتكاب المحرمات، كما أن ارتكابها و المضي فيها يوجب الجرأة على ارتكاب المعاصي و الهلاك و العقاب بسببه، لا إن نفس اقتحام الشبهات فيه الهلاك و العقاب و هذا المعنى أجنبي عن محل النزاع فقهرا لسانها يكون لسان الإرشاد إلى عدم الاقتحام في الشبهات التحريمية، لا إنها تدل على النهي المولوي الذي يستتبع العقاب [٢].
و منها: المرسل عن الصادق (عليه السلام) قال: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه». و هذه الرواية لا تدل على وجوب الاحتياط، فغاية ما تدل عليه هو الترغيب في الاتقاء.
و منها: ما عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أورع الناس من وقف عند الشبهة». هذه الرواية أيضا لا تدل على وجوب الاحتياط إذ لا دليل على وجوب الأورعية على المكلف. و غاية ما تدل عليه هو:
الترغيب في الاتقاء.
و منها: خبر حمزة بن طيار أنه عرض على أبي عبد اللّه (عليه السلام) بعض خطب أبيه حتى إذا بلغ موضعا منها قال له: «كف و اسكت».
ثم قال: «لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون إلّا الكف عنه و التثبت و الرد إلى أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على الحق، و يجلوا عنكم فيه العمى، و يعرفوكم فيه الحق. قال اللّه تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» [٣].
يلاحظ من ظاهر هذه الرواية: الدعوة إلى الكف و الترغيب من أجل مراجعة الإمام (عليه السلام) و أخذ الحكم منه؛ لا بالكف و الترغيب و الاجتناب حتى بعد مراجعة الإمام (عليه السلام)، و عدم التمكن من تعيين الحكم، بل في مورد ما بعد المراجعة، و الفحص إلى اليأس من التوصل إلى الحكم الواقعي تجري البراءة.
(١) وسائل الشيعة: ١٨/ ١١٤/ رقم ٢.
[١] راجع الحلقة الثانية، ص ٣٤٢.
[٢] راجع: منتهى الأصول، ج ٢، ص ٢٧٢.
[٣] النحل: ٤٣.