المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٥٩
و هذا الاستصحاب مقدم على دليل الاحتياط لو تم له ظهور في اللزوم، فإن موضوعه احتمال النهي و المنع و ثبوت التكليف، و الاستصحاب رافع لهذا الاحتمال، و حينئذ: ينصرف ذاك الظهور إلى موارد العلم الإجمالي و الشك في المكلف به.
قد يقال: أن الاستدلال بالاستصحاب على البراءة مغن عن القيل و القال في جهة الاستدلال عليها بالأدلة اللفظية و العقلية؛ لأنه من الأدلّة المحرزة و بلحاظ إحرازه اللساني مقدم على سائر الأصول العملية، و لقد قرع الأسماع أن الاستصحاب عرش الأصول و فرش الأمارات، و معه يكون الاستدلال على البراءة بالكتاب و السنة و العقل و الإجماع لغوا.
و منها: أنه حتى إذا آمنا بقاعدة قبح العقاب بلا بيان فلا شك في: أن قبح العقاب على مخالفة تكليف مشكوك لم يصل إذن الشارع فيه ثابت بدرجة أقل من قبحه على مخالفة تكليف مشكوك قد بين إذن في مخالفته بالاستصحاب. و المطلوب بالاستصحاب تحقيق هذه الدرجة الأعلى من قبح العقاب و المعذرية، و ما هو ثابت بمجرد الشك الدرجة الأدنى (قاعدة قبح العقاب بلا بيان)، فليس هناك تحصيل للحاصل، بمعنى: أنه يوجد فرق بين أن يكون مؤمنا من قبل الشارع، و التأمين من قبل الشارع بالاستصحاب بعدم التكليف عند الشك أعلى درجة من التأمين من قبل العقل في ظرف الشك في التكليف.
ثم ذكر السيد الشهيد الصدر (قدس سره) في حلقته الثانية اعتراضين على أدلة البراءة نذكرها (بتصرف).
أحدهما: أن هذه الأدلّة إنما تشمل حالة الشك البدوي، و لا تشمل حالة الشك المقترن بعلم إجمالي، و الفقيه حينما يلحظ الشبهات الحكمية ككل، يوجد لديه علم إجمالي بوجود عدد كبير من التكاليف المنتشرة في تلك الشبهات، فلا يمكنه إجراء أصل البراءة في أي شبهة من تلك الشبهات لأنها طرف من علم الإجمالي، فكل طرف محتمل يكون فيه الحكم.
الجواب: إن العلم الإجمالي المذكور و إن كان ثابتا و لكنه منحل إلى العلم التفصيلي، لأن الفقيه من خلال استنباطه و تتبعه يتواجد لديه علم تفصيلي بعدد محدد من التكاليف لا يقل عن العدد الذي كان يعلمه بالعلم الإجمالي في البداية، و من هنا يتحول علمه الإجمالي إلى علم تفصيلي بالتكليف في هذه المواقع، و شك بدوي في التكليف في سائر المواقع الأخرى و مثاله: إذا وجدت كأسين من ماء قد يكون كلاهما نجسا و قد يكون أحدهما نجسا فقط، و لكنك تعلم على أي حال بأنهما ليسا طاهرين معا، فينشأ في نفسك علم إجمالي بنجاسة أحد الكأسين لا على سبيل التعيين، فإذا اتفق لك بعد ذلك أن اكتشفت نجاسة في أحد الكأسين و علمت أن هذا الكأس المعين نجس، فسوف يزول علمك الإجمالي بسبب هذا العلم التفصيلي، لأنك الآن بعد اكتشافك نجاسة ذلك الكأس المعين لا تعلم إجمالا بنجاسة أحد الكأسين لا على سبيل التعيين، بل تعلم بنجاسة ذلك الكأس المعين علما تفصيليا و تشك في نجاسة الآخر. فتجري فيه أصالة البراءة، و إذا انحل العلم الإجمالي إلى علم