المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٤٥ - ٣- الحديث المشهور بحديث الرفع المأثور
«رفع عن أمتي تسعة: الخطأ و النسيان و ما أكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه و الحسد و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة» (١)، و قد وقع التعبير عنه في ألسنة طيبة بالصحيح، و ادعى بعض الأعاظم بأنه صح عن أئمتنا (عليهم السلام) و أسندوه إلى النبي (صلى الله عليه و آله)، فما ربما يتوهم من كونه نبويا ضعيفا، ضعيف جدا (٢)، انتهى.
(١) جامع أحاديث الشيعة ١: ٣٢٦، رقم ٦٠١ عن الخصال و التوحيد.
(٢) حديث الرفع يعتبر أقوى الأدلّة و أظهرها في الدلالة على المطلوب، و هذا الحديث الشريف مروي في «الخصال» بسند صحيح عن أحمد بن محمد بن يحيى العطّار، عن سعد بن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فكونه من الصحاح، مع اشتهاره بين الأصحاب و اعتمادهم عليه يغني عن التكلّم في سنده [١].
«و تقريب الاستدلال بهذا الحديث على البراءة هو: أنه في ظرف عدم العلم يكون ذلك الشيء الغير معلوم مرفوعا، أي: المكلف غير مسئول تجاه ذلك الشيء، و بهذا تثبت البراءة في ظرف الشك و عدم العلم بالتكليف لكن الاستدلال المعمّق بحديث الرفع يتم على مرحلتين:
المرحلة الأولى: يقع الكلام في إن هذا الرفع هل هو رفع واقعي للتكليف المشكوك أم هو رفع ظاهري للتكليف المشكوك؟ الرفع الواقعي للتكليف المشكوك معناه: أن التكليف عند الشك فيه الشارع يرفعه حقيقة. فيقول الشارع للمكلف الشاك في التكليف: لا تكليف حقيقي و واقعي في حقك، و يلزم من هذا القول اختصاص الأحكام الواقعية بالعالم بها، و هذا محال على ضوء ما تقدم من أن الأحكام الواقعية يستحيل أن تقيد الأحكام الواقعية بالعالم بها لأنه يلزم الدور. فلو لا محذور الدور ينفع هذا في مقام الاستدلال، و ذلك بأن نقول: إن المكلف الشاك في التكليف لا تكليف واقعي في حقه، و هذا معنى البراءة.
- و تارة: نقول: إن الرفع ليس رفعا واقعيا و إنما هو رفع ظاهري الذي هو عدم وجوب الاحتياط، فالشارع يقول للمكلف: عند ما تشك في التكليف الواقعي أنا أرفعه ظاهرا عنك، و هذا معنى البراءة.
إذا: على كلا التقديرين يتم الاستدلال بالحديث لأن التكليف إما مرفوع واقعا، و إما مرفوع ظاهرا.
لكن لما كان الاحتمال الأول (الرفع الواقعي) يلزم منه الدور فهو إذا: ساقط، فلا بد أن نلتزم بالاحتمال الثاني و هو الرفع الظاهري أي: إن المكلف الشاك في التكليف غير ملزم بالاحتياط و هذا هو معنى البراءة.
قد يقال: بأنه يمكن أن نلتزم بالرفع الواقعي، و لا بأس بتقييد الأحكام بالعلم، و نرفع الإشكال كما رفعناه سابقا بأن نقول: إن العلم بالجعل يؤخذ قيدا في ثبوت الحكم المجعول و المجعول يكون مختصا بالعالم به، فيكون «رفع عن أمتي» المجعول في حال عدم العلم بالجعل. و هذا لا محذور فيه، لكن
[١] راجع: منتهى الأصول.