المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٤١ - ١- صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه
فتدعه (١)».
(١) و تقريب الاستدلال بهذه الصحيحة: هو أنّ كلّ فعل قابل لأن يتصف بالحلية و الحرمة فهو لك حلال حتى تعرف حرمته بعينه.
إذا: الصحيحة تريد أن تثبت أن الشيء الذي فيه حلال و فيه حرام يكون لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه. و هذا يمكن التمسك به في مقام الشبهة الحكمية فيقال: المكلف الذي لا يعلم الحرام بعينه في المقام يجعل له الحلية الظاهرية، و هذا معنى البراءة، و لكن ذهب جماعة من المحققين إلى: أن هذا الحديث مختص بالشبهة الموضوعية، و ذلك لقرينتين ذكرهما السيد الصدر (قدس سره) في حلقته الثانية و هما بتصرف:
«القرينة الأولى: إن ظاهر قوله: «كل شيء فيه حلال و حرام ...» افتراض طبيعة منقسمة فعلا إلى أفراد محللة، و أفراد محرمة، و إن هذا الانقسام هو السبب في الشك في حرمة هذا الفرد أو ذاك و هذا إنما يصدق في الشبهة الموضوعية مثل: اللحم المشترى من السوق المحتمل للمذكّى فيكون حلالا، و المحتمل للميتة فيكون حراما، يعني: هذه الطبيعة (أي: اللحم) تنقسم إلى قسمين حلال و حرام، و الرواية تقول:
هو لك حلال حتى تعلم الحرام بعينه. إذا: انقسام طبيعي اللحم إلى حلال و حرام هو الذي جعلني اشتبه في حليته و حرمته.
و حينئذ: الرواية تقول: هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام. لا في مثل الشك في حرمة شرب التتن مثلا و أمثاله من الشبهات الحكمية، فإن الشك فيها لا ينشأ من تنوع أفراد الطبيعة، بل من عدم وصول النص الشرعي على التحريم. بمعنى: إننا في الشبهة الحكمية عند ما نشك في إن لحم الأرنب هل هو حلال أم حرام هنا ليس لدينا طبيعة منقسمة إلى قسمين، بل حتى لو قلنا: إنه توجد طبيعة منقسمة إلى حلال و حرام فإنه في المقام لا نستطيع أن نقول: إن هذا منشأ الشك في حرمة لحم الأرنب، أي: هذا الانقسام لا يكون سببا في أن نشك إن لحم الأرنب هو حلال أم حرام. و إنما السبب هو هل يوجد نص شرعي أم لا؟ هذه تسمى بالشبهة الحكمية و هي خلاف ظاهر الرواية، فإن ظاهر الرواية هو أن منشأ الشك في الشبهة الموضوعية نظير الشك في المائع بأنه هل هو حرام أم حلال؟ و منشأ الشك هو:
أن في المائع احتمال وجود الخمر فيكون حراما، و احتمال وجود خلّ فيه فيكون حلالا، فاحتمال وجود هذين القسمين في المائع هو منشأ الشك في إن هذا المائع حلال أم حرام؟ [١].
القرينة الثانية: أن يقال في المقام: نحن نستدل بكلمة «بعينه» الواردة في الحديث على اختصاص الحديث بالشبهة الموضوعية، و ذلك أن كلمة «بعينه» أما أن تكون تأكيدا، و إما أن تكون لها معنى، و توجد عند الأصوليين قاعدة و هي: أن الأصل في القيود أن تكون احترازية بمعنى: أن كل قيد يذكر في الكلام لا بدّ أن يكون له معنى لا إنه يحمل على التأكيد. و هنا في المقام نقول بالنسبة إلى كلمة «بعينه»: إذا قلنا أن مفاد الحديث يحمل على الشبهة الحكمية كانت كلمة «بعينه» تأكيدا صرفا للحرام بعينه أو الحلال بعينه أي: تأكيدا للحكم- لأن العلم بالحرام فيها مساوق للعلم بالحرام بعينه عادة في
[١] راجع: منتهى الأصول.