المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٢١ - التنبيه الثاني (١) الشبهة العبائية أو استصحاب الفرد المردد
.....
جريان الاستصحاب فيه أيضا، لأن المفهوم المردد ليس موضوعا للأثر الشرعي حتى يجري فيه الاستصحاب، بل لا يعقل أن يكون بوصف التردد موضوعا له، إذ لا مطابق له في الخارج، لأن الموجود في الخارج هو الفرد المعين المتشخص بلوازم الوجود، و هو من أفراد الطبيعي لكن لا بقيد كونه مرددا، إذ لا يعقل التشخص الموجب للتعين مع التردد، و يمتنع انطباق المردد عليه، فإذا أخذ مقدار من ماء يساوي ثلاثة و أربعين شبرا إلّا ثمن شبر حتى صار مساويا لسبعة و عشرين شبرا مثلا لا يصح ترتيب آثار الكر عليه باستصحاب كريته، لما مر من عدم ترتب أثر شرعي على المفهوم المردد إن كان هو المستصحب، و من كون الشك في الحدوث دون البقاء إن كان المستصحب هو الباقي، لأن الشك فيه يرجع إلى الشك في حدوثه، ضرورة: أنه على تقدير الحدوث قطعي البقاء، بمعنى: أن الكر إن كان ما يساوي سبعة و عشرين شبرا فهو باق قطعا و ليس مشكوك البقاء، لكن الشأن في إن مفهوم الكر هل هو هذا أم لا؟
و مثله: الشك في بقاء عدالة شخص كان تاركا للكبائر و منافيات المروءة ثم ارتكب بعض منافيات المروءة، فلا يصح استصحاب عدالته و ترتيب آثارها عليه، و كذا الحال في سائر المفاهيم المرددة بين العلم بارتفاع أحد المفهومين و بقاء الآخر، فإنه لا سبيل إلى جريان الاستصحاب فيها أصلا، لما تقدم آنفا من عدم موضوعية المفهوم المردد للأثر الشرعي حتى يجري فيه الاستصحاب، و من عدم اجتماع أركانه من المعين، لعدم كون الشك فيه في البقاء بل في الحدوث بالبيان المتقدم، هذا كله في الاستصحاب الوجودي كاستصحاب النهار عند استتار القرص، أو العدالة عند ارتكاب بعض منافيات المروة، و غير ذلك من الموارد التي يكون الشك فيها لترددها بين مفهومين يعلم بارتفاع أحدهما و ببقاء الآخر.
و أما الاستصحاب العدمي:
فالظاهر عدم الإشكال في جريانه، فلو زيد في ماء قليل حتى صار ما يساوي سبعة و عشرين شبرا و شك في أنه بلغ كرا أو لا، فلا مانع من استصحاب عدم كريته بعد كون الموضوع في الاستصحاب عرفيا، فيصح أن يقال: إن هذا الماء لم يكن كرا، و الآن كما كان، أو هذا الرضيع قبل عشر رضعات لم يكن ابنا أو بنتا لهذه المرضعة أو أخا أو أختا لأولادها، و بعد تحقق الرضعات العشر كما كان، أو هذا الزمان قبل استتار القرص لم يكن ليلا، و بعد استتاره يستصحب عدم الليلية.
و بالجملة: ففي المفاهيم المرددة لا يجري الاستصحاب في وجوداتها، لكن يجري في أعدامها و يترتب عليها آثارها، فإذا كان الماء أقل من سبعة و عشرين شبرا و زيد عليه صار بهذا المقدار، و شك في أنه بلغ كرا أو لا جرى استصحاب عدم كريته. و إن نوقش في الاستصحاب الموضوعي فلا مانع من جريان الاستصحاب الحكمي. و كذا في سائر المفاهيم المرددة كالعدالة و الرضاع و النهار و الغناء و غيرها.
و الحاصل: أن وزان المفاهيم المرددة و زان الفرد المردد في عدم جريان الاستصحاب فيها [١].
[١] إن كل ما ذكر من بحث الشبهة العبائية، و استصحاب الفرد المردد، و استصحاب المفهوم المردد هو ما ذكره و كتبه السيد محمد جعفر الجزائري المروج في كتابه منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٧، ص ٣٧١- ٣٩٠.