المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤١٩ - التنبيه الثاني (١) الشبهة العبائية أو استصحاب الفرد المردد
.....
إذ التعبد الاستصحابي لا بد أن يكون بلحاظ الأثر الشرعي المترتب على المستصحب. و هذا الشرط مفقود في المقام، ضرورة: إن عنوان إحدى الصلاتين أو أحد الإناءين مثلا ليس موضوعا للأثر الشرعي، بل الموضوع له هو العنوان التفصيلي كالظهر أو الجمعة، أو خصوص هذا الإناء أو ذاك الإناء في الإناءين المشتبهين، و من المعلوم: إن هذا العنوان التفصيلي لم يتعلق به اليقين و الشك حتى يجري فيه الاستصحاب، و إنما تعلقا بعنوان إجمالي عرضي كأحد الفردين أو الفرد المردد، و من المعلوم: إن هذا العنوان العرضي و إن تعلق به اليقين و الشك، إلّا أنه لأجنبيته عما هو موضوع الأثر الشرعي لا يجري فيه الاستصحاب، فما هو الموضوع للحكم الشرعي أعني العنوان التفصيلي لم يتعلق به اليقين و الشك، و ما تعلقا به ليس موضوعا للأثر الشرعي». (نهاية الأفكار، ٤/ ١١٤).
ملاك هذا الوجه الرابع: عدم تعلق اليقين و الشك بما هو موضوع للأثر الشرعي.
و ملاك الوجه الثالث: عدم تعلق الشك ببقاء الحادث الذي هو من شرائط الاستصحاب.
ثم إنه قد ظهر مما ذكرنا من عدم جريان الاستصحاب في الفرد المردود- لعدم ترتب الأثر الشرعي عليه- وجه جريان الاستصحاب الكلي في القسم الثاني، مع تردد الكلي بين فردين كالحدث المردد بين الأكبر و الأصغر بعد الغسل أو الوضوء بناء على موضوعية كلي الحدث لأحكام شرعية، و ذلك لوضوح: ترتب الأثر الشرعي على نفس الكلي الذي تعلق به اليقين و الشك هناك، بخلاف الفرد المردد، فإنه ليس موضوعا للأثر الشرعي، و لذا لا يجري فيه الاستصحاب و إن تعلق به اليقين و الشك، ففرق واضح بين الفرد المردد و استصحاب الكلي في القسم الثاني في أنه يجري في الكلي و لا يجري في الفرد المردد مطلقا لا الشخصي و لا الكلي.
أما الشخصي: فلما مر من كون الشك هنا في حدوث الفرد، لا في بقاء الفرد الحادث الذي هو مورد الاستصحاب، دون الأول مضافا إلى: أن استصحابه بعنوان كونه مرددا مرجعه إلى بقاء الحادث على كل تقدير سواء أ كان هو الفرد الزائل أم الباقي، و من المعلوم: أنه ينافي العلم بارتفاع الحادث على تقدير كونه هو الفرد الزائل، و مع العلم بارتفاع أحد فردي الترديد كيف يجري الاستصحاب في الفرد بوصف كونه مرددا؟
و أما الكلي: فإن أريد باستصحابه إثبات أن الباقي هو متعلق التكليف، ففيه: أنه مبني على الأصل المثبت الذي لا نقول به، و إن أريد باستصحابه لزوم الإتيان بالباقي تحصيلا للعلم بفراغ الذمة عما اشتغلت به، ففيه: أنه يكفي في ذلك حكم العقل بعد تنجز التكليف الفعلي بالعلم الإجمالي بلزوم الإطاعة و إحراز فراغ الذمة من دون حاجة في ذلك إلى الاستصحاب، بل من المعلوم: إنه لا مورد له مع قاعدة الاشتغال، لأن موضوعها و هو الشك حاصل بالوجدان، و الاستصحاب محرز تعبدي له، و من البديهي: إنه لا مجال لإحراز الموجود وجدانا بالتعبد، لأنه من أردأ وجوه تحصيل الحاصل، حيث إنه لا سنخية بين الإحراز التعبدي و الوجداني.
و بالجملة: فالمقام من موارد قاعدة الاشتغال لا الاستصحاب، لعدم ترتب الأثر و هو لزوم تحصيل العلم على الواقع حتى نحتاج في إحرازه إلى الاستصحاب كما حقق ذلك مفصلا في محله.
لا يقال: إن الأثر و هو لزوم الامتثال عقلا من الآثار المترتبة على الأعم من الحدوث و البقاء، فلا مانع