المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٩٣ - ٢- التفصيل بين الشك في المقتضى و الرافع
و من أجل هذا أصبح هذا التفصيل من أهم الأقوال التي عليها مدار المناقشات العلمية في عصرنا. و يلزمنا النظر فيه من جهتين: من جهة المقصود من المقتضى و المانع، و من جهة مدى دلالة الأخبار عليه.
١- المقصود من المقتضى و المانع: و نحيل ذلك إلى تصريح الشيخ نفسه فقد قال: (المراد بالشك من جهة المقتضى: الشك من حيث استعداده و قابليته في ذاته للبقاء، كالشك في بقاء الليل و النهار، و خيار الغبن بعد الزمان الأول).
فيفهم منه: أنه ليس المراد من المقتضى- كما قد ينصرف ذلك من إطلاق كلمة المقتضى- مقتضي الحكم أي: الملاك و المصلحة فيه، و لا المقتضى لوجود الشيء في باب الأسباب و المسببات بحسب الجعل الشرعي، مثل أن يقال: أن الوضوء مقتض للطهارة و عقد النكاح مقتض للزوجية، بل المراد نفس استعداد المستصحب في ذاته للبقاء و قابليته له من أية جهة كانت تلك القابلية، و سواء فهمت هذه القابلية من الدليل أو من الخارج، و يختلف ذلك باختلاف المستصحبات و أحوالها، فليس فيه نوع و لا صنف مضبوط من حيث مقدار الاستعداد، كما صرح بذلك الشيخ.
و التعبير عن الشك في القابلية بالشك في المقتضى فيه نوع من المسامحة توجب الإيهام، و ينبغي أن يعبر عنه بالشك في اقتضائه للبقاء لا الشك في المقتضى، و لكن بعد وضوح المقصود فالأمر سهل.
و أما الشك في الرافع، فعلى هذا يكون المقصود منه الشك في طرو ما يرفع المستصحب مع القطع باستعداده و قابليته للبقاء لو لا طرو الرفع، كما صرح به الشيخ، و ذكر أنه على أقسام، و المتحصل من مجموع كلامه في جملة مقامات: أنه ينقسم إلى قسمين رئيسين: الشك في وجود الرافع و الشك في رافعية الموجود.
و هذا القسم الثاني أنكر المحقق السبزواري حجية الاستصحاب فيه بأقسامه الثلاثة الآتية و هو القول العاشر في تعداد الأقوال، و نحن نذكر هذه الأقسام لتوضيح مقصود الشيخ.
١- الشك في وجود الرافع: و مثّل له بالشك في حدوث البول مع العلم بسبق الطهارة. و هو (رحمه الله) لا يعني به إلّا الشك في الشبهة الموضوعية خاصة، و أما ما كان في الشبهة الحكمية فلا يعمه كلامه، لأن الشك في وجود الرافع فيها