المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٩ - ٩- الظن الخاص و الظن المطلق
و لكن بعد أن انتهينا إلى هنا ينبغي ألّا يخلو هذا المختصر من الإشارة إلى مقدمات
الصغرى: كما بينها الشيخ الأعظم (قدس سره) في رسائله و هو: أن الظن بالحكم الإلزامي ملازم للظن بأمرين:
أحدهما: ترتب العقوبة على مخالفته لأن الظنّ بالوجوب ظنّ باستحقاق العقاب على الترك، كما أن الظن بالحرمة ظن باستحقاق العقاب على الفعل.
و ثانيها: ترتب المفسدة عليها إن كان الحكم هو الحرمة، و فوات المصلحة إن كان هو الوجوب، بناء على مذهب العدلية لقولهم بتبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد. و قد جعل في النهاية كلّا من الضررين دليلا مستقلا على المطلب.
و عليه: فالظن بالحكم الإلزامي مستلزم للظن بالضرر الدنيوي أو الأخروي على مخالفته، أما الدنيوي:
فلترتب الوقوع في المفسدة أو فوت المصلحة على مخالفته. و أما الأخروي: فلترتب الظن بالعقوبة على مخالفته. فالصغرى إذا: هي ترتب الضرر الدنيوي أو الأخروي على مخالفة الحكم و المظنون.
و أما الكبرى: استقلال العقل بوجوب دفع الضرر المظنون. و أجيب عن هذا الدليل بوجوه كما في الرسائل:
أحدها: ما عن الحاجبي، و تبعه غيره، من منع الكبرى، و أنّ دفع الضرر المظنون إذا قلنا بالتحسين و التقبيح العقليين احتياط مستحسن، لا واجب.
رد صاحب الكفاية على الحاجبي قائلا: «و أما الكبرى فلاستقلال العقل بدفع الضرر المظنون و لو لم نقل بالتحسين و التقبيح العقليين». إذا: رد صاحب الكفاية هو: إن وجوب دفع الضرر المظنون ليس منوطا بالقول بالتحسين و التقبيح العقليين، لأن وجوب دفع الضرر من الأمور الفطرية و إن فرض عدم إدراك العقل حسن الأشياء و قبحها.
و قال الشيخ الأنصاري في رسائله في رده على الحاجبي في منعه الكبرى: بأن منعه فاسد، و علل ذلك: «لأنّ الحكم المذكور حكم إلزاميّ أطبق العقلاء على الالتزام به في جميع أمورهم و ذمّ من خالفه. إذا: حكم العقل بدفع الضرر المظنون ليس منحصرا في التحسين و التقبيح العقليين حتى إذا أنكرنا الحسن و القبح العقليين؛ يلزم منه إنكار حكم العقل بوجوب دفع الضرر المظنون؛ بل يكون ملاك التزام العقل بدفع الضرر المظنون بل المحتمل بما هو ضرر مظنون أو محتمل لا بما هو حسن و قبيح. فإن حكم العقل بدفع الضرر المظنون و المحتمل نظير حكمه بفعل ما استقل بحسنه بناء على قاعدة التحسين و التقبيح العقليين. ثم عقب الشيخ الأنصاري قائلا: «.. و ببالي أنّه (الشيخ) تمسّك في العدّة بعد العقل بقوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا ... .. إلخ ثم قال الشيخ الأنصاري (قدس سره): ردا على الحاجبي في منعه الكبرى: «ثم إنّ ما ذكره من ابتناء الكبرى على التحسين و التقبيح العقليين غير ظاهر، لأنّ تحريم تعريض النفس للمهالك و المضارّ الدنيويّة و الأخرويّة مما دلّ عليه الكتاب و السنة مثل التعليل في آية النبأ، (فهي تنهى عن الوقوع في الضرر المحتمل)، و قوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ البقرة: ١٩٥. و قوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ النور: ٦٣، بناء على أنّ المراد: العذاب و الفتنة الدنيويّان. و قوله تعالى: وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا