المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٨٠ - ١- صحيحة زرارة الأولى
بأنه قد نام فإنه باق على يقين من وضوئه، أي: إنه لم يحصل ما يرفع اليقين به و هو اليقين بالنوم. و هذه مقدمة تمهيدية و توطئة لبيان إن الشك ليس رافعا لليقين و إنما الذي يرفعه اليقين بالنوم، و ليس الغرض منها إلّا بيان أنه على يقين من وضوئه، ليقول ثانيا: إنه لا ينبغي أن يرفع اليد عن هذا اليقين إذ لا موجب لانحلاله و رفع اليد عنه إلّا الشك الموجود، و الشك بما هو شك لا يصلح أن يكون رافعا و ناقضا لليقين، و إنما ينقض اليقين اليقين لا غير.
فقوله: «و إلّا فإنه على يقين من وضوئه» بمنزلة الصغرى، و قوله: «و لا ينقض اليقين بالشك أبدا» بمنزلة الكبرى. و هذه الكبرى مفادها قاعدة الاستصحاب، و هي البناء على اليقين السابق و عدم نقضه بالشك اللاحق. فيفهم منها إن كل يقين سابق لا ينقضه الشك اللاحق.
هذا و قد وقعت المناقشة في الاستدلال بهذه الصحيحة من عدة وجوه:
منها: ما أفاده الشيخ الأنصاري، إذ قال: (و لكن مبنى الاستدلال على كون اللام في اليقين للجنس، إذ لو كانت للعهد لكانت الكبرى المنضمة إلى الصغرى «و لا ينقض اليقين بالوضوء بالشك»، فيفيد قاعدة كلية في باء الوضوء). إلى آخر ما أفاده، و لكنه استظهر أخيرا كون اللام للجنس.
أقول: إن كون اللام للعهد يقتضي أن يكون المراد من اليقين في الكبرى: شخص اليقين المتقدم فإن هذا هو معنى العهد، و عليه: فلا تفيد قاعدة كلية حتى في باب الوضوء. و منه يتضح: غرابة احتمال إرادة العهد من اللام بل ذلك مستهجن جدا، فإن ظاهر الكلام هو تطبيق كبرى على صغرى لا سيما مع إضافة كلمة (أبدا).
فيتعين أن تكون اللام للجنس، و لكن مع ذلك هذا وحده غير كاف في التعميم لكل يقين حتى في غير الوضوء، لإمكان أن يراد جنس اليقين بالوضوء بقرينة تقييده في الصغرى به لا كل يقين، فيكون ذلك من قبيل القدر المتيقن في مقام التخاطب، فيمنع من التمسك بالإطلاق، كما سبق نظيره. و هذا الاحتمال لا ينافي كون الكبرى كلية، غاية الأمر: تكون كبرى كلية خاصة بالوضوء.
فيتضح: أن مجرد كون اللام للجنس لا يتم به الاستدلال مع تقدم ما يصلح للقرينة، و لعل هذا هو مراد الشيخ من التعبير بالعهد، و مقصوده تقدم القرينة، فكان ذلك تسامحا في التعبير.