المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٧٨ - ١- صحيحة زرارة الأولى
قال: «لا! حتى يستيقن أنه قد نام. حتى يجيء من ذلك أمر بيّن. و إلّا فإنه على يقين من وضوئه، و لا ينقض اليقين بالشك أبدا، و لكنه ينقضه بيقين آخر»).
و نذكر في هذه الصحيحة بحثين:
الأول: في فقهها.
و لا يخفى: أن فيها سؤالين: أولهما: عن شبهة مفهومية حكمية (١) لغرض معرفة سعة موضوع النوم من جهة كونه ناقضا للوضوء، إذ لا شك في: إنه ليس المقصود على نحو الاستقلال في مقابل النوم (٢)، فينحصر أن يكون مراده- و الجواب قرينة على ذلك أيضا- هو السؤال عن شمول النوم الناقض للخفقة و الخفقتين، مع علم السائل بأن النوم في نفسه له مراتب تختلف شدة و ضعفا و منه الخفقة و الخفقتان، و مع علمه بأن النوم ناقض للوضوء في الجملة، فلذلك أجاب الإمام بتحديد النوم الناقض و هو الذي تنام فيه العين و الأذن معا. أما ما تنام فيه العين دون القلب و الأذن كما في الخفقة و الخفقتين فليس ناقضا.
و أما السؤال الثاني: فهو- لا شك- عن الشبهة الموضوعية (٣) بقرينة الجواب، لأنه
(١) السؤال هو: هل إن الخفقة و الخفقتان توجب نقض الوضوء؟ بمعنى: أن السائل يريد تحديد مفهوم النوم الناقض للوضوء، و أنه يشمل الخفقة و الخفقتان أم يختص بنوم القلب؟ فالشبهة مفهومية حكمية.
و قلت حكمية أيضا بمعنى: هل الخفقة و الخفقتان توجب الوضوء أم لا؟
(٢) بمعنى: إنه لا يسأل عن احتمال ناقضية الخفقة و الخفقتان بالاستقلال في قبال سائر النواقض.
(٣) و كونه سؤالا عن الشبهة الموضوعية، يعني: يشك زرارة بمجرد- غلبة النوم على حاسة الأذن- في تحقق نوم القلب الذي جعله الإمام (عليه السلام) ناقضا للوضوء، و أجاب (عليه السلام): «لا» و هو نتيجة الاستصحاب. قال المروج في شرح الكفاية في هذا المورد ما يلي: «إن زرارة بعد أن علم بمناط النوم الناقض- و هو نوم العين و الأذن- سأل من الإمام (عليه السلام) عن حكم الفتور الحاصل في الحاستين و أنه أمارة على النوم أم لا؟ فأجاب (عليه السلام) بنفي أماريته، لأن عدم الإحساس بحركة شيء في جنبه ليس لازما مساويا للنوم، بل قد يتفق لليقظان إذا كان مشتغلا بأمر يهمه بحيث لا يلتفت إلى ما يجري حوله.
و عليه: فالسؤال يكون عن شبهة موضوعية، إذ لو كان عن تحديد مفهوم النوم لاقتضى شأنه (عليه السلام) رفع الشك ببيان حدود مفهوم النوم الناقض واقعا، لا إبقاء السائل على جهله ببيان حكمه الظاهري المغيّى باليقين بالخلاف بقوله (عليه السلام): «حتى يستيقن أنه قد نام»، فكان المناسب أن يقول (عليه السلام): «حتى يستيقن أنه نوم لا نام» لظهور «نام» في الشبهة الموضوعية بلحاظ احتوائه على ضمير راجع إلى الشاك في تحقق النوم، و معناه: «لا حتى يحرز أن ما حصل في الخارج منه هو النوم» بخلاف «حتى يستيقن أنه نوم» الظاهر في ناقضية نفس النوم المشكوك صدقه بفتور الحاستين».