المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٦٣ - معنى حجية الاستصحاب
ما يؤدي معنى الإبقاء لا يصح وصفه بالحجة، لأنه إن أريد منه الإبقاء العملي المنسوب إلى المكلف: فواضح عدم صحة توصيفه بالحجية، لأنه ليس الإبقاء العملي يصح أن يكون دليلا على شيء و حجة فيه. و إن أريد منه الإلزام الشرعي: فإنه مدلول الدليل، لا إنه دليل على نفسه و حجة على نفسه، و كيف يكون دليلا على نفسه و حجة على نفسه؟
فهو من هذه الجهة شأنه شأن الأحكام التكليفية المدلولة للأدلة.
قلت: نستطيع حل هذه الشبهة بالرجوع إلى ما ذكرناه من معنى الإبقاء الذي هو مؤدى الاستصحاب، و هو أن المراد به القاعدة الشرعية المجعولة في مقام العمل، فليس المراد منه الإبقاء العملي المنسوب إلى المكلف و الإلزام الشرعي، فيصح توصيفه بالحجة و لكن لا بمعنى: الحجة في باب الأمارات بل بالمعنى اللغوي لها، لأنه لا معنى لكون قاعدة العمل دليلا على شيء مثبتة له، بل هي الأمر المجعول من قبل الشارع فتحتاج إلى إثبات و دليل كسائر الأحكام التكليفية من هذه الجهة، و لكنه نظرا إلى أن العمل على وفقها عند الجهل بالواقع يكون معذرا للمكلف إذا وقع في مخالفة الواقع، كما أنه يصح الاحتجاج بها على المكلف إذا لم يعمل على وفقها فوقع في المخالفة ... صح أن توصف بكونها حجة بالمعنى اللغوي. و بهذه الجهة يصح
أما الإبقاء العملي: فهو لا يوصف بالحجية لأن عمل المكلف لا معنى لأن يكون حجة لأنه ليس دليلا على شيء، و لا يكون حجة عليه، و لا يكون مثبتا لشيء.
و إذا كان المراد من الإبقاء في التعريف هو الإلزام الشرعي بالإبقاء، يقول المعترض: هذا الإلزام لا يصح توصيفه بالحجة لأن الإلزام هو مدلول الدليل لا إنه دليل على شيء، و الحجة في باب الأمارات هو الذي يكون دليلا على شيء، فالإلزام الشرعي بالبقاء حاله حال بقية الأحكام التكليفية فلا نستطيع أن نقول: إن وجوب الصلاة دليل و حجة، نعم الدليل (خبر الثقة مثلا) الدال على وجوب الصلاة حجة.
هذا الإشكال جعله المستشكل نقطة ضعف في التعريف فقال: التعريف للاستصحاب بهذا ليس بصحيح بدليل أن الاستصحاب المعرف يصح توصيفه بالحجية بلا خلاف، مع إن ما عرفنا به الاستصحاب لا يصلح توصيفه بالحجية.
إذا: لا بد أن يبدل التعريف بتعريف يصح أن يوصف بالحجية.
المصنف في مقام الجواب يقول: إن المشكل قد اختلط عليه الأمر، فإشكال المشكل قائم على أن المراد من الحجة بمعناها الاصطلاحي، بينما كلامنا عن الحجية بمعناها اللغوي، و عليه: فلا إشكال.
إذا: إن الاستصحاب كقاعدة مجعولة من قبل الشارع هي حجة بالمعنى اللغوي؛ لأنه شيء يستطيع المولى أن يحتج به على عبده.