المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٩٦ - ٤- تعادل و تراجيح المتزاحمين
٥- أن يكون أحد الواجبين مقدما بحسب زمان امتثاله على الآخر، كما لو دار الأمر بين القيام للركعة المتقدمة و بين القيام لركعة بعدها، في فرض كون المكلف عاجزا عن القيام للركعتين معا متمكنا من إحداهما فقط.
فإنه- في هذا الفرض- يكون المتقدم مستقر الوجوب في محله لحصول القدرة الفعلية بالنسبة إليه. فإذا فعله انتفت القدرة الفعلية بالنسبة إلى المتأخر فلا يبقى له مجال.
و لا فرق في هذا الفرض بين ما إذا كانا معا مشروطين بالقدرة الشرعية أو مطلقين معا، أما لو اختلفا فإن المطلق مقدم على المشروط بالقدرة الشرعية و إن كان زمان فعله متأخرا.
٦- أن يكون أحد الواجبين أولى عند الشارع في التقديم من غير تلك الجهات المتقدمة. و الأولوية تعرف إما من الأدلّة، و إما من مناسبة الحكم للموضوع، و إما من معرفة ملاكات الأحكام بتوسط الأدلّة السمعية. و من أجل ذلك فإن الأولوية تختلف باختلاف ما يستفاد من هذه الأمور، و لا ضابط عام يمكن الرجوع إليه عند الشك.
فمن تلك الأولوية: ما إذا كان في الحكم الحفاظ على بيضة الإسلام، فإنه أولى بالتقديم من كل شيء في مقام المزاحمة.
و منها: ما كان يتعلق بحقوق الناس، فإنه أولى من غيره من التكاليف الشرعية المحضة، أي: التي لا علاقة لها بحقوق غير المكلف بها.
و منها: ما كان من قبيل الدماء و الفروج، فإنه يحافظ عليه أكثر من غيره، لما هو المعروف عند الشارع المقدس من الأمر بالاحتياط الشديد في أمرها، فلو دار الأمر بين حفظ نفس المؤمن و حفظ ماله، فإن حفظ نفسه مقدم على حفظ ماله قطعا.
و منها: ما كان ركنا في العبادة، فإنه مقدم على ما ليس له هذه الصفة عند المزاحمة، كما لو وقع التزاحم في الصلاة بين أداء القراءة و الركوع، فإن الركوع مقدم على القراءة و إن كان زمان امتثاله متأخرا عن القراءة.
و على مثل هذا فقس، و أمثالها كثير لا يحصى، كما لو دار الأمر بين الصلح بين المؤمنين بالكذب و بين الصدق و فيه الفتنة بينهم، فإن الصلح مقدم على الصدق، و هذا معروف من ضرورة الشرع الإسلامي.