المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٩٤ - ٤- تعادل و تراجيح المتزاحمين
و من هذا الحكم العقلي يستكشف حكم الشرع على طبق هذا الحكم العقلي كسائر الأحكام العقلية القطعية، لأن هذا من باب المستقلات العقلية التي تبتني على الملازمات العقلية المحضة.
مثاله: إذا دار الأمر بين إنقاذ غريقين متساويين من جميع الجهات لا ترجيح لأحدهما على الآخر شرعا- من جهة وجوب الإنقاذ- فإنه لا مناص للمكلف من أن يفعل أحدهما و يترك الآخر، فهو على التخيير عقلا بينهما المستكشف منه رضا الشارع بذلك و موافقته على التخيير.
إذا عرفت ذلك، فيكون من المهم جدا أن نعرف ما هي المرجحات في باب التزاحم، و من الواضح أنه لا بد أن تنتهي كلها إلى أهمية أحد الحكمين عند الشارع، فالأهم عنده هو الأرجح في التقديم. و لما كانت الأهمية تختلف جهتها و منشأها، فلا بد من بيان تلك الجهات و هي تستكشف بأمور نذكرها على الاختصار:
١- أن يكون أحد الواجبين لا بدل له مع كون الواجب الآخر المزاحم له ذا بدل، سواء كان البدل اختياريا كخصال الكفارة، أو اضطراريا كالتيمم بالنسبة إلى الوضوء، و كالجلوس بالنسبة إلى القيام في الصلاة.
و لا شك في: أن ما لا بدل له أهم مما له البدل قطعا عند المزاحمة و إن كان البدل اضطراريا؛ لأن الشارع قد رخص في ترك ذي البدل إلى بدله الاضطراري عند الضرورة و لم يرخص في ترك ما لا بدل له، و لا شك في أن تقديم ما لا بدل له جمع بين التكليفين في الامتثال دون صورة تقديم ذي البدل، فإن فيه تفويتا للأول بلا تدارك.
٢- أن يكون أحد الواجبين مضيقا أو فوريا، مع كون الواجب الآخر المزاحم له موسعا، فإن المضيق أو الفوري أهم من الموسع قطعا، كدوران الأمر بين إزالة النجاسة عن المسجد و إقامة الصلاة في سعة وقتها.
و هذا الثاني ينسّق على الأول؛ لأن الموسع له بدل طولي اختياري دون المضيق و الفوري، فتقديم المضيق أو الفوري جمع بين التكليفين في الامتثال دون تقديم الموسع فإن فيه تفويتا للتكليف بالمضيق أو الفوري بلا تدارك.
و مثله: ما لو دار الأمر بين المضيق و الفوري؛ كدوران الأمر بين الصلاة في آخر وقتها و إزالة النجاسة عن المسجد، فإن الصلاة مقدمة إذ لا تدارك لها.