المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٩٢ - ٣- الفرق بين التعارض و التزاحم (١)
و خلاصته: إن التعارض- في خصوص مورد العامين من وجه- إنما يحصل حيث تكون لكل منهما دلالة التزامية على نفي حكم الآخر في مورد الاجتماع بينهما، فيتكاذبان من هذه الجهة. و أما إذا لم يكن للعامين من وجه مثل هذه الدلالة الالتزامية فلا تعارض بينهما، إذ لا تكاذب بينهما في مقام الجعل و التشريع.
و حينئذ- أي: حينما يفقدان تلك الدلالة الالتزامية- لو امتنع على المكلف أن يجمع بينهما في الامتثال لأي سبب من الأسباب، فإن الأمر في مقام الامتثال يدور
إلى الحج أعلن الجهاد و النفير العام لردع الغزاة و الطغاة، و الحج مشروط بالقدرة الشرعية، و الجهاد بالقدرة العقلية، فيترك المكلف الحج، و ينخرط مع المجاهدين لأن جهاد العدو أهم و وجوبه مطلق، و نفعه أفضل و أكمل.
٣- أن يكون لأحدهما بدل اضطراري دون الآخر، فيقدم ما لا بدل له، و يؤخر ما له البدل، و مثاله:
أن يكون عند المجنب ماء يكفيه للغسل فقط، و بالقرب منه نفس محترمة في أمسّ الحاجة إلى هذا الماء، فهي به أولى، و يتيمم المجنب للصلاة بدلا عن الغسل.
٤- أن يكون الوقت مختصا بأحد الواجبين منذ البداية قبل حدوث التزاحم، ثم زاحمه في وقته المختص واجب طارئ، فيقدم صاحب الوقت، و مثاله: أن يضيق وقت الفريضة اليومية، و تزاحمها فيه صلاة الكسوف أو الخسوف، فيقدم اليومية لأنها أصيلة، و صلاة الآيات دخيلة.
٥- أن يكون أحدهما أهم من الآخر، فيقدم الأول، كما لو رأى المصلي شخصا أوشك على الهلاك، فيقطع صلاته و يسعفه، و قريب منه: أن يدور أمر المكلف بين ضررين، فيختار أهون الشرين، فما كان ضرره أقل فهو المطلوب، و ما كان ضرره أكثر فهو المتروك، و كذلك شأن المنفعة، فما كان نفعه أكثر فهو الأهم، و ما كان نفعه أدنى فهو المهم» [١].
و قال السيد محمود الهاشمي: «أما بالنسبة إلى التعارض الحقيقي، فحالات التزاحم تخرج عنه إذا تم شرطان:
الأول: أن نلتزم في كل خطاب شرعي بقيد هو: «عدم الاشتغال بضد لا يقل عنه في الأهمية»، فيكون موضوع الصلاة مثلا من لم يشتغل بضد لها واجب لا يقل عنها في الأهمية، و كذا في وجوب الإزالة.
الثاني: أن نلتزم بإمكان الترتب في الوجوبين المتزاحمين، بأن يكون الوجوب الآخر مجعولا على تقدير عصيان الوجوب الأول. فإن تم هذان الأمران كانت موارد التزاحم خارجة عن نطاق التعارض الحقيقي».
- و أما التعارض فهو: التنافي بين الحكمين في مقام الجعل و التشريع لا في مقام الامتثال و الطاعة، و بكلمة أخرى التعارض: هو التدافع بين حجتين.
[١] راجع: كتاب علم الأصول في ثوبه الجديد، ص ٤٢٨.