المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٥١ - ٢- حجية سيرة المتشرعة
٢- حجية سيرة المتشرعة:
إن السيرة عند المتشرعة من المسلمين على فعل شيء أو تركه هي في الحقيقة من نوع الإجماع، بل هي أرقى أنواع الإجماع، لأنها إجماع عملي من العلماء و غيرهم. و الإجماع في الفتوى إجماع قولي من العلماء خاصة.
و السيرة على نحوين: تارة: يعلم فيها أنها كانت جارية في عصور المعصومين (عليهم السلام)، حتى يكون المعصوم أحد العاملين بها أو يكون مقررا لها، و أخرى:
لا يعلم ذلك أو يعلم حدوثها بعد عصورهم.
فإن كانت على (النحو الأول)- فلا شك في: أنها حجة قطعية على موافقة الشارع، فتكون بنفسها دليلا على الحكم كالإجماع القولي الموجب للحدس القطعي برأي المعصوم. و بهذا تختلف (١) عن (سيرة العقلاء)، فإنها إنما تكون حجة إذا ثبت من دليل آخر إمضاء الشارع لها و لو من طريق عدم ثبوت الردع من قبله كما سبق.
و إن كانت على (النحو الثاني)- فلا نجد مجالا للاعتماد عليها في استكشاف موافقة المعصوم على نحو القطع و اليقين، كما قلنا في الإجماع، و هي نوع منه، بل هي دون الإجماع القولي في ذلك كما سيأتي وجهه.
قال الشيخ الأعظم في كتاب البيع في مبحث المعاطاة (٢): (و أما ثبوت السيرة و استمرارها على التوريث- يقصد توريث ما يباع معاطاة- فهي كسائر سيراتهم الناشئة من المسامحة و قلة المبالاة في الدين، مما لا يحصى في عبادتهم، و معاملاتهم، كما لا يخفى).
و من الواضح: أنه يعني من السيرة هذا النحو الثاني، و السر في عدم الاعتماد على هذا النحو من السيرة هو: ما نعرف من أسلوب نشأة العادات عند البشر و تأثير العادات على عواطف الناس. إن بعض الناس المتنفذين أو المغامرين قد يعمل شيئا استجابة لعادة غير إسلامية أو لهوى في نفسه، أو لتأثيرات خارجية نحو تقليد الأغيار، أو لبواعث انفعالات نفسية مثل حب التفوق على الخصوم أو إظهار عظمة
(١) راجع حاشية شيخنا الأصفهاني على مكاسب الشيخ، ص ٢٥.
(٢) المكاسب ص ٨٣ طبع تبريز سنة ١٢٧٥ ه.