المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٢٩ - و قد يستدل على ذلك بما يلي
كيف؟ و قد ورد عنهم (عليهم السلام) إرجاع الناس إلى القرآن الكريم، مثل: ما ورد من الأمر بعرض الأخبار المتعارضة عليه، بل ورد عنهم ما هو أعظم من ذلك و هو عرض كل ما ورد عنهم على القرآن الكريم، كما ورد عنهم الأمر برد الشروط المخالفة للكتاب في أبواب العقود، و وردت عنهم أخبار خاصة دالة على جواز التمسك بظواهره نحو قوله (عليهم السلام) لزرارة لما قال له: من أين علمت أن المسح ببعض الرأس؟ فقال (عليهم السلام): «لمكان الباء» و يقصد الباء من قوله تعالى: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ، فعرف زرارة كيف يستفيد الحكم من ظاهر الكتاب.
بالظواهر. بمعنى: أن الكلام إذا كان ظاهرا في معنى يقال: أن ذلك المعنى هو مراد ذلك المتكلم، و هو واقع المضمون.
و الرواية التي تقول الشرط المخالف لواقع المضمون هذا فرع أن يفهم العرف أن هذا واقع المضمون.
فإذا: هذه الروايات يوجد فيها إطلاق مقامي لإمضاء ما عليه العرف في مقام فهم واقع المضمون حتى يقال للعرف بالشرط المخالف اطرحه، و الشرط الموافق اعمل به. لو لم تكن الطريقة العقلائية حجة في مقام فهم الواقع المضمون لا معنى لأن يقال للعرف: الشرط المخالف له اطرحه، و الشرط الموافق له اعمل به، فلا بد أن تكون الطريقة العقلائية في مقام فهم مضمون الكتاب حجة، و الشارع أقرها حينئذ يقال للعرف: أن ما وافق هذا الفهم يكون معتبرا، و ما خالفه يجب طرحه، فهذه كلها تكون دالة على حجية العرف العام في مقام فهم مضمون الكتاب، و لا شك: إن العرف العام في مقام تعيين مضمون الكتاب لا يقتصر على النصوص و المحكمات فقط بل يفهم مضمون الكتاب حتى في باب الظواهر.
- و هناك طائفة ثالثة من الأخبار تأمر بإرجاع الخبر مطلقا، و عرضه على الكتاب. هذه الطائفة تريد أن تعطي الضابط في مقام العمل بالخبر و عدم العمل به، أي: في مقام حجية الخبر، و في عدم حجيته.
و الضابط هو: أن لا يكون الخبر مخالفا للكتاب و إلّا لا يعمل به. فحينئذ: تدل على حجية ما عليه العرف العام في مقام فهم مراد المتكلم في الكتاب. فهذه الطائفة تقول: إن الخبر الذي يأتيك لا بد أن تعرضه على الكتاب فإن كان موافقا فهو و إلّا فاطرحه. كيف يستطيع العرف العام أن يعين أن هذا الخبر مخالف للكتاب إذا لم تكن ظواهر الكتاب حجة؟ هنا قد يستشكل و يقال: بأنه صحيح أن الخبر إنما يعمل به إذا لم يكن مخالفا للكتاب لكن المخالفة ليست لظاهر الكتاب، و إنما المخالفة للمعنى الذي يدل عليه الكتاب بمعونة الروايات المفسرة للكتاب. أي: يقول: إننا نؤمن أن الخبر لا بد من عرضه على الكتاب أنتم تقولون: لا بد من عرضه على الكتاب فقط، و تستنتجون من ذلك حجية ظواهر الكتاب، و نحن نقول: لا بد من عرضه على الكتاب الذي نفهمه بمعونة التفاسير الواردة، و هذا لا يثبت حجية ظواهر الكتاب وحدها، و إنما يثبت حجية ظواهر الكتاب لكن إذا ورد تفسيرها من قبل أهل البيت (عليهم السلام).