المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٩٦ - وجه حجية العقل (٢)
ظاهرة و حجة باطنة، فأما الظاهرة: فالرسل و الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام). و أما الباطنة: فالعقول» (١).
و الحل لهذا التعارض الظاهري بين الطائفتين، هو: أن المقصود من الطائفة الأولى بيان عدم استقلال العقل في إدراك الأحكام و مداركها، في قبال الاعتماد على القياس و الاستحسان، لأنها واردة في هذا المقام، أي: أن الأحكام و مدارك الأحكام لا تصاب بالعقول بالاستقلال. و هو حق كما شرحناه سابقا. و من المعلوم أن مقصود من يعتمد على الاستحسان في بعض صوره هو: دعوى أن للعقل أن يدرك الأحكام مستقلا و يدرك ملاكاتها، و مقصود من يعتمد على القياس هو: دعوى أن للعقل أن يدرك ملاكات الأحكام في المقيس عليه لاستنتاج الحكم في المقيس (٢). و هذا معنى الاجتهاد بالرأي. و قد سبق إن هذه الإدراكات ليست من وظيفة العقل النظري و لا العقل العملي؛ لأن هذه الأمور لا تصاب إلّا من طريق السماع من مبلّغ الأحكام.
و عليه: فهذه الطائفة من الأخبار لا مانع من الأخذ بها على ظواهرها؛ لأنها واردة في مقام معارضة الاجتهاد بالرأي، و لكنها أجنبية عما نحن بصدده و عما نقوله في القضايا العقلية التي يتوصل بها إلى الحكم الشرعي. كما أنها أجنبية عن الطائفة الثانية من الأخبار التي تثني على العقل و تنص على أنه حجة الله الباطنة، لأنها تثني على العقل فيما هو من وظيفته أن يدركه، لا على الظنون و الأوهام، و لا على ادعاءات إدراك ما لا يدركه العقل بطبيعته (٣).
(١) راجع: كتاب العقل من أصول الكافي. و هو أوّل كتبه.
(٢) يقول أبو حنيفة: إن عقلي يدرك أن ملاك ثبوت الحرمة لتفاح مثلا هو كونه حامضا، و على هذا الإدراك العقلي يذهب و يثبت الحرمة لأفراد الحامض الأخرى كالبرتقال (المقيس)، فأثبت الحكم للمقيس بسبب إدراك ملاك المقيس عليه (التفاح). و هذا معنى الاجتهاد بالرأي.
(٣) و لكن يوجد على هذه الطائفة اعتراض من قبل الأخباريين: بأن المراد من كون العقل حجة باطنة، أي: ما كانت حجة في طريق إثبات أصول الدين (التوحيد و العدل و النبوة و الإمامة و المعاد بيوم القيامة)، و أما كونها حجة باطنة في الأحكام: فهذا غير معلوم بل الأحكام بيد الشارع. و الجواب على هذه المغالطة هي كالتالي:
يرد عليهم:
أولا: المفروض نحن نطالبكم بالدليل على هذا التفصيل، فبعد تسليمكم بأنه حجة في الأصول فلما ذا لا يكون حجة في الفروع؟
ثانيا: إن أدلة حجية القطع العقلي مطلقة، و لا يفرق فيها في الموردين (الأصول و الفروع).