المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٩١ - الباب الرابع الدليل العقلي
و حينئذ: بعد حكم العقل النظري بالملازمة يستكشف حكم الشارع على سبيل القطع؛ لأنه بضم المقدمة العقلية المشهورة- التي هي من الآراء المحمودة التي يدركها العقل العملي- إلى المقدمة التي تتضمن الحكم بالملازمة- التي يدركها العقل النظري- يحصل للعقل النظري العلم بأن الشارع له هذا الحكم؛ لأنه حينئذ يقطع باللازم و هو الحكم بعد فرض قطعه بثبوت الملزوم و الملازمة.
الظلم ثابت بقطع النظر عن جعل أي جاعل كإمكان الممكن- فإن الشيء الممكن- ممكن ثابت واقعا، و ليس بجعل جاعل- كذلك الظلم ثابت قبحه، و العدل ثابت حسنه واقعا و قبل أن يخلق الإنسان و ليس بجعل جاعل.
و أما التجربة: فلأن الملحوظ خارجيا عدم تبعية الحسن و القبح للمصالح و المفاسد، فقد تكون المصلحة في القبيح أكثر من المفسدة فيه، و مع هذا يتفق العقلاء على قبحه، فقتل إنسان لأجل استخراج دواء مخصوص من قلبه يتم به إنقاذ إنسانين من الموت إذا لوحظ من زاوية المصالح و المفاسد فقط، فالمصلحة أكبر من المفسدة، و مع هذا لا يشك أحد في أن هذا ظلم و قبيح عقلا، فالحسن و القبح إذا:
ليسا تابعين للمصالح و المفاسد بصورة بحتة؛ بل لهما واقعية تلتقي مع المصالح و المفاسد في كثير من الأحيان و تختلف معها أحيانا. و المشهور بين علمائنا الملازمة بين الحكم العملي العقلي و الحكم الشرعي. و هناك من ذهب إلى استحالة حكم الشارع في موارد الحكم العملي العقلي بالحسن و القبح، فهذان اتجاهان.
أما الاتجاه الأول- المشهور- فقد قرب بأن الشارع أحد العقلاء و سيدهم، فإذا كان العقلاء متطابقين بما هم عقلاء على حسن شيء و قبحه فلا بد أن يكون الشارع داخلا ضمن ذلك أيضا باعتباره سيد العقلاء فلا بد من أن يوافقهم، إلّا أن هذا قد يرد عليه: بأن مقتضى كونه سيدهم قد يخالفهم و ذلك لقصور عقولهم بمعنى: أن الله «عزّ و جلّ» باعتباره سيد العقلاء قد يلتفت «عزّ و جلّ» إلى نكتة غائبة عن العقلاء.
ثم قال السيد الصدر (قدس سره) في مقام الجواب: و التحقيق أنا تارة: نتعامل مع الحسن و القبح بوصفهما أمرين واقعيين يدركهما العقل، و أخرى: بوصفهما مجعولين عقلائيين رعاية للمصالح العامة، فعلى الأول: لا معنى للتقريب المذكور لأن العقلاء بما هم عقلاء إنما يدركون الحسن و القبح، و لا شك في: أن الشارع يدرك ذلك، و إنما الكلام في إنه هل يجعل حكما تشريعيا على طبقهما أو لا؟
و على الثاني: إن أريد استكشاف الحكم الشرعي بلحاظ ما أدركه العقلاء من المصالح العامة التي دعتهم إلى التحسين و التقبيح، فهذا استكشاف للحكم الشرعي بالحكم العقلي النظري لا العملي؛ لأن مناطه هو إدراك المصلحة و لا دخل للحسن و القبح فيه- أي: في إدراك العقل العملي- و إن أريد استكشاف الحكم الشرعي بلحاظ حكم العقلاء و جعلهم الحسن و القبح فلا مبرر لذلك، إذ لا برهان على لزوم صدور جعل من الشارع يماثل ما يجعله العقلاء- أي: لا برهان على لزوم صدور جعل من الشارع بوجوب الحسن يماثل الحسن الذي جعله العقلاء-.