المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٩٠ - الباب الرابع الدليل العقلي
يعني: أن العقل العملي يكون هو الحاكم في الفعل، لا حاكيا عن حاكم آخر.
و إذا حصل للعقل العملي هذا الإدراك جاء العقل النظري عقيبه، فقد يحكم بالملازمة بين حكم العقل العملي و حكم الشارع و قد لا يحكم. و لا يحكم بالملازمة إلّا في خصوص مورد مسألة التحسين و التقبيح العقليين، أي: خصوص القضايا المشهورات التي تسمى الآراء المحمودة، و التي تطابقت عليها آراء العقلاء كافة بما هم عقلاء.
و على هذا الأساس يمكن أن يقال: أن الحكم النظري هو إدراك الأمور الواقعية التي لا تقتضي بذاتها جريا عمليا معينا، و الحكم العملي هو إدراك الأمور الواقعية التي تقتضي بذاتها ذلك، و يدخل إدراك العمل للمصلحة و المفسدة في الحكم النظري لأن المصلحة ليست بذاتها مقتضية للجري العملي و يختص الحكم العملي من العقل بإدراك الحسن و القبح- لأنه قلنا: أن الحكم العملي هو الذي ينبغي فعله أو تركه و هو الحسن أو القبح-.
الملازمة بين الحكم النظري و حكم الشارع: قال السيد الشهيد الصدر (قدس سره) (بتصرف): لا شك في: أن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد و أن الملاك متى ما تم بكل خصوصياته و شرائطه و تجرد عن الموانع عن التأثير كان بحكم العلة التامة الداعية للمولى إلى جعل الحكم على طبقه- أي: على طبق علمه- وفقا لحكمته تعالى، و على هذا الأساس- أي: إذا تم الملاك- فمن الممكن نظريا أن نفترض إدراك العقل النظري لذلك الملاك بكل خصوصياته و شئونه، و في مثل ذلك يستكشف الحكم الشرعي لا محالة استكشافا لميا، أي: بالانتقال من العلة- أي: إدراك العقل المصلحة و المفسدة- إلى المعلول- حكم الشارع به-. و لكن هذا الافتراض صعب- أي: لا يستطيع أن يدرك العقل المصالح و المفاسد فلا يدركهما إلّا الله «عزّ و جلّ» و الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام)- التحقق من الناحية الواقعية في كثير من الأحيان لضيق دائرة العقل و شعور الإنسان بأنه محدود الاطلاع، الأمر الذي يجعله يحتمل غالبا أن يكون قد لزمه الاطلاع على بعض نكات الموقف، فقد يدرك المصلحة في فعل، و لكنه لا يجزم عادة بدرجتها و بمدى أهميتها و بعدم وجود أي مزاحم لها، و ما لم يجزم بكل ذلك لا يتم الاستكشاف.
و أما عن الملازمة بين الحكم العملي و حكم الشارع: فقال (قدس سره): إن مرجع الحكم العملي إلى الحسن و القبح و إنهما أمران واقعيان يدركهما العقل، و قبل الدخول في الحديث عن الملازمة ينبغي أن نقول كلمة عن واقعية هذين الأمرين، فإن جملة من الباحثين فسر الحسن و القبح بوصفهما حكمين عقلائيين- أي: ليسا عمليين- أي: مجعولين من قبل العقلاء تبعا لما يدركون من مصالح و مفاسد للنوع البشري، فما يرونه مصلحة كذلك- أي: للنوع البشري- يجعلونه حسنا، و ما يرونه مفسدة كذلك- أي: للنوع البشري- يجعلونه قبيحا، و تميزهما- أي: الحسن و القبح- عن غيرهما من التشريعات العقلائية اتفاق العقلاء على الحسن و القبح، و تطابقهم على تشريعهما لوضوح المصالح و المفاسد التي تدعو إلى جعلهما. و هذا التفسير خاطئ وجدانا و تجربة. أما الوجدان: فهو قاض بأن قبح