المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٨٩ - الباب الرابع الدليل العقلي
و الالتفات إلى حقيقتها يستطيع إنكارها إلّا السوفسطائيين؛ الذين ينكرون الوثوق بكل معرفة حتى المحسوسات.
و لا أظن أن هذه القضايا العقلية هي مقصود من أنكر حجيتها من الأخباريين و غيرهم، و إن أوهمت بعض عباراتهم لعدم التمييز بين نقاط البحث.
و إذا عرفت ذلك تعرف أن الخلط في المقصود من إدراك العقل النظري، و عدم التمييز بين ما يدركه من الأحكام ابتداء و ما يدركه منها بتوسط الملازمة هو سبب المحنة في هذا الاختلاف و سبب المغالطة التي وقع فيها بعضهم، إذ نفى مطلقا إدراك العقل لحكم الشارع و حجيته، قائلا: إن أحكام الله توقيفية للحكم ابتداء و بالاستقلال، و لا يصلح لنفي إدراكه للملازمة المستتبع لعلمه بثبوت اللازم و هو الحكم.
*** ٣- هذا كله إذا أريد من العقل: (العقل النظري).
و أما لو أريد به (العقل العملي)، فكذلك لا يمكن أن يستقل في إدراك أن هذا ينبغي فعله عند الشارع أو لا ينبغي، بل لا معنى لذلك، لأن هذا الإدراك وظيفة العقل النظري، باعتبار أن كون هذا الفعل ينبغي فعله عند الشارع بالخصوص أو لا ينبغي من الأمور الواقعية التي تدرك بالعقل النظري لا بالعقل العملي، و إنما كل ما للعقل العملي من وظيفة هو أن يستقل بإدراك أن هذا الفعل في نفسه مما ينبغي فعله أو لا ينبغي، مع قطع النظر عن نسبته إلى الشارع المقدس أو إلى أي حاكم آخر (١).
(١) قال السيد الشهيد الصدر (قدس سره) في حلقته الثالثة الجزء الأول، ص ٤٢٤ (بتصرف):
و بالتحليل نلاحظ: رجوع الحكم العملي إلى الحكم النظري لأن الانبغاء و عدم الانبغاء أمر واقعي.
و بعبارة أخرى: نلاحظ رجوع الحكم العملي إلى الحكم النظري لأنه إدراك لصفة واقعية في الفعل و هي أنه ينبغي أن يقع و هو الحسن أو لا ينبغي و هو القبح. و على هذا نعرف أن الحسن و القبح صفتان واقعيتان يدركهما العقل، كما يدرك سائر الصفات و الأمور الواقعية، غير أن الحسن و القبح يختلفان عنها في اقتضائهما بذاتهما جريا عمليا معينا- أي: أن الحسن أو القبح بذاتهما متعلقان بالعمل، و ناظران إلى عمل معين، أما الترك أو الفعل فمن دون العمل ليس لهما معنى- خلافا للأمور الواقعية الأخرى، مثل: استحالة اجتماع النقيضين فهذه بذاتها غير ناظرين إلى العمل أو إدراك المصلحة أو المفسدة. فهذه بذاتها غير ناظرة إلى العمل-.