المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٨٨ - الباب الرابع الدليل العقلي
إننا نقصد من الدليل العقلي: حكم العقل النظري بالملازمة بين الحكم الثابت شرعا (١) أو عقلا (٢) و بين حكم شرعي آخر، كحكمه بالملازمة في مسألة الإجزاء و مقدمة الواجب و نحوهما، و كحكمه باستحالة التكليف بلا بيان اللازم منه حكم الشارع بالبراءة، و كحكمه بتقديم الأهم في مورد التزاحم بين الحكمين المستنتج منه فعلية حكم الأهم عند الله، و كحكمه بوجوب مطابقة حكم الله لما حكم به العقلاء في الآراء المحمودة.
فإن هذه الملازمات و أمثالها أمور حقيقة واقعية يدركها العقل النظري بالبداهة أو بالكسب، لكونها من الأوليات و الفطريات التي قياساتها معها (٣)، أو لكونها تنتهي إليها فيعلم بها العقل على سبيل الجزم.
و إذا قطع العقل بالملازمة (٤)- و المفروض: أنه قاطع بثبوت الملزوم (٥)- فإنه لا بد أن يقطع بثبوت اللازم (٦) و هو- أي: اللازم- حكم الشارع. و مع حصول القطع فإن القطع حجة يستحيل النهي عنه، بل به حجية كل حجة كما سبق بيانه، ص ١٩.
و عليه، فهذه الملازمات العقلية هي كبريات القضايا العقلية التي بضمها إلى صغرياتها يتوصل بها إلى الحكم الشرعي (٧)، و لا أظن أحدا بعد التوجه إليها
(١) هذا بالنسبة إلى غير المستقلات العقلية.
(٢) هذا بالنسبة إلى المستقلات العقلية.
(٣) أي: أن الحكم- العقل النظري- قياسه معه، فاستحالة التكليف بلا بيان دليل بالوجدان، و لا يحتاج إلى برهان.
(٤) إذا وجب الشيء وجبت مقدمته.
(٥) وجوب ذي المقدمة.
(٦) وجوب المقدمة. ملاحظة: لا يخفى أن إدراك الملازمة من وظيفة العقل النظري لأنه إدراك لما ينبغي أن يعلم.
(٧) و مثاله: وجوب الصلاة ... صغرى.
و إذا وجب شيء يحكم العقل بلزوم وجوب مقدمته ... كبرى.
النتيجة: وجوب الوضوء شرعا.
هذا بالنسبة إلى غير المستقلات العقلية.
و أما بالنسبة إلى المستقلات العقلية فمثاله:
إدراك العقل بحسن العدل ... صغرى
العقل يدرك الملازمة بين حكمه و حكم الشارع ... كبرى
و النتيجة: أن العدل حسن عند الشارع.