المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٣٧ - ج- دليل حجية خبر الواحد من الإجماع (١)
الحاكين للإجماع شيخ الطائفة الطوسي «أعلى الله مقامه» في كتابه العدة (ج ١ ص ٤٧)؛ لكنه اشترط فيما اختاره من الرأي و حكى عليه الإجماع: أن يكون خبرا واردا من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة، و كان ذلك مرويا عن النبي أو عن الواحد من الأئمة، و كان ممن لا يطعن في روايته، و يكون سديدا في نقله. و تبعه على ذلك في التصريح بالإجماع السيد رضي الدين بن طاوس، و العلامة الحلي في النهاية، و المحدث المجلسي في بعض رسائله، كما حكى ذلك عنهم الشيخ الأعظم في الرسائل.
و في مقابل ذلك: حكى جماعة أخرى إجماع الإمامية على عدم الحجية، و على رأسهم السيد الشريف المرتضى «أعلى الله درجته»، و جعله بمنزلة القياس في كون ترك العمل به معروفا من مذهب الشيعة. و تبعه على ذلك الشيخ ابن إدريس في السرائر، و نقل كلاما للسيد المرتضى في المقدمة، و انتقد في أكثر من موضع في كتابه الشيخ الطوسي في عمله بخبر الواحد، و كرر تبعا للسيد قوله: (إن خبر الواحد لا يوجب علما و لا عملا). و كذلك نقل عن الطبرسي صاحب مجمع البيان تصريحه في نقل الإجماع على عدم العمل بخبر الواحد.
و الغريب في الباب وقوع مثل هذا التدافع بين نقل الشيخ و السيد عن إجماع الإمامية، مع أنهما متعاصران بل الأول تتلمذ على الثاني، و هما الخبيران العالمان بمذهب الإمامية، و ليس من شأنهما أن يحكيا مثل هذا الأمر بدون تثبت و خبرة كاملة.
فلذلك وقع الباحثون في حيرة عظيمة من أجل التوفيق بين نقليهما. و قد حكى الشيخ الأعظم في الرسائل وجوها للجمع: مثل أن يكون مراد السيد المرتضى من خبر الواحد الذي حكى الإجماع على عدم العمل به هو خبر الواحد الذي يرويه
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، و قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً*.
و أجاب صاحب الكفاية على هذا الإشكال قائلا: لا يكاد تكفي الآيات في الردع لأن العقلاء- بعد بنائهم على حجية بخر الثقة، و أنه علم في نظرهم- لا يرون الآيات شاملة لها.
بالإضافة إلى هذا: أن هذه الآيات وردت في خصوص أصول الدين، و لا ربط لها بما نحن فيه، فيكون النهي عن اتباع الظن في أصول الدين إرشادا إلى حكم العقل بعدم كفاية الظن فيها.
و ذكر الشيخ الأنصاري وجهين آخرين في رسائله فراجع.