المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٣٥ - ج- دليل حجية خبر الواحد من الإجماع (١)
.....
الأول: الإجماع القولي، و هو عبارة عن اتفاق أرباب الفتاوى على حجية خبر الثقة، و نستشهد بما قاله صاحب الكفاية في كفايته، و الشيخ الأنصاري في رسائله. قال صاحب الكفاية: «دعوى الإجماع من تتبع فتاوى الأصحاب على الحجية من زماننا إلى زمان الشيخ، فيحصل من ذلك القطع بالاتفاق الكاشف عن رضا الإمام (عليه السلام) بالحكم ... إلى أن قال: أو من تتبع الإجماعات المنقولة على الحجيّة».
و قال الشيخ الأنصاري (قدس سره): «أحدها: الإجماع على حجية خبر الواحد في مقابل السيد و أتباعه، و طريق تحصيله أحد وجهين، على سبيل منع الخلو.
أحدهما: تتبع أقوال العلماء من زماننا إلى زمان الشيخين، فيحصل من ذلك القطع بالاتفاق الكاشف عن رضاء الإمام (عليه السلام)، بالحكم، أو عن وجود نص معتبر في المسألة، و لا يعتنى بخلاف السيد و أتباعه، إما لكونهم معلومي النسب، كما ذكر الشيخ في العدة ... و الثاني: تتبع الإجماعات المنقولة في ذلك:
- فمنها: ما حكي عن الشيخ (قدس سره)، في العدة في هذا المقام حيث قال: «و أما ما اخترته من المذهب، فهو أن خبر الواحد إذا كان واردا من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة- و كان ذلك مرويا عن النبي (صلى الله عليه و آله)، أو عن أحد الأئمة (عليهم السلام)، و كان ممن لا يطعن في روايته و يكون سديدا في نقله، و لم يكن هناك قرينة تدل على صحة ذلك، كان الاعتبار بالقرينة، و كان ذلك موجبا للعلم، كما تقدمت القرائن- جاز العمل به.
و الذي يدل على ذلك: إجماع الفرقة المحقة، فإني وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم و دونوها في أصولهم، لا يتناكرون ذلك و لا يتدافعون، حتى أن واحدا منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور، و كان رواية ثقة لا ينكر حديثه، سكتوا و سلموا الأمر و قبلوا قوله.
هذه عادتهم و سجيتهم من عهد النبي (صلى الله عليه و آله)، و من بعده من الأئمة (عليهم السلام)؛ إلى زمان جعفر بن محمّد (عليه السلام)، الذي انتشر عنه العلم و كثرت الرواية من جهته. فلو لا أن العمل بهذه الأخبار كان جائزا لما أجمعوا على ذلك، لأن إجماعهم فيه معصوم و لا يجوز عليه الغلط و السهو ...
ثم ذكر الشيخ الأنصاري (قدس سره) إشكالا ورد عليه و هو: فإن قيل: أ ليس شيوخكم لا يزالون يناظرون خصومهم في أن خبر الواحد لا يعمل به، و يدفعونهم عن صحة ذلك، حتى أن منهم من يقول: لا يجوز ذلك عقلا، و منهم من يقول: لا يجوز ذلك سمعا، لأن الشرع لم يرد به. و ما رأينا أحدا تكلم في جواز ذلك، و لا صنف فيه كتابا، و لا أملى فيه مسألة، فكيف أنتم تدعون خلاف ذلك؟
قيل له: من أشرت إليهم من المنكرين لأخبار الآحاد، إنما تكلموا من خالفهم في الاعتقاد و دفعوهم من وجوب العمل بما يروونه من الأخبار المتضمنة للأحكام التي يروون خلافها، و ذلك صحيح على ما قدمناه، و لم نجدهم اختلفوا في ما بينهم، و أكثر بعضهم على بعض العمل بما يروونه إلّا في مسائل دل الدليل الموجب للعلم على صحتها، فإذا خالفوهم فيها أنكروا عليهم، لمكان الأدلّة الموجبة للعلم و الأخبار المتواترة بخلافه.