المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١١٧ - أ- أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز
عامة للطرفين، و قد أفاد ذلك شيخنا النائيني (قدس سره) كما في تقريرات بعض الأساطين من تلامذته، فإنه قال: (إن التفقه في العصور المتأخرة و إن كان هو استنباط الحكم الشرعي بتنقيح جهات ثلاث: الصدور و جهة الصدور و الدلالة، و من المعلوم:
أن تنقيح الجهتين الأخيرتين مما يحتاج إلى إعمال النظر و الدقة، إلا إن التفقه في الصدر الأوّل لم يكن محتاجا إلّا إلى إثبات الصدور ليس إلّا، لكن اختلاف محقق التفقه باختلاف الأزمنة لا يوجب اختلافا في مفهومه، فكما أن العارف بالأحكام الشرعية بإعمال النظر و الفكر يصدق عليه الفقيه كذلك العارف بها من دون إعمال النظر و الفكر يصدق عليه الفقيه حقيقة).
و بمقتضى عموم التفقه: فإن الآية الكريمة- أيضا- تدل على وجوب الاجتهاد في العصور المتأخرة عن عصور المعصومين وجوبا كفائيا، بمعنى: أنه يجب على كل قوم أن ينفر منهم طائفة فيرحلوا لتحصيل التفقه و هو الاجتهاد لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، كما تدل أيضا- بالملازمة التي سبق ذكرها- على حجية قول المجتهد على الناس الآخرين و وجوب قبول فتواه عليهم.
الآية الثالثة- آية حرمة الكتمان (١): و هي قوله تعالى في سورة البقرة ١٥٩:
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ
(١) طريقة الاستدلال بهذه الآية على حجية خبر الواحد تكون ببيان أن الآية الشريفة يستفاد منها حرمة كتمان البينات و الهدى، و حرمة الكتمان معناه: وجوب الإبداء و الإظهار و مقتضى إطلاق الآية هو أن الكتمان محرّم، و الإظهار يجب مطلقا أي: سواء كان المبدأ مفيدا للعلم أو لم يكن مفيدا للعلم.
هذا مقتضى التمسك بإطلاق الآية، و بإطلاق حرمة الكتمان مطلقا. هذه النقطة الأولى في مقام الاستدلال.
- النقطة الثانية في مقام الاستدلال نقول: إن وجوب الإظهار، و الإبداء و حرمة الكتمان في صورة عدم إفادة قول المظهر العلم يستلزم وجوب القبول؛ لأنّ وجوب الإظهار من دون وجوب القبول لا معنى له فلا معنى لأن يقال لإنسان: يجب عليك الإظهار، و يقال للطرف المقابل: أنت لا يجب عليك قبول ما أظهره ذلك الشخص. فهناك تلازم عرفي واضح بين وجوب الإظهار، و بين وجوب القبول. و أيضا يثبت وجوب القبول في حالة إظهار البيّنات، و ما أنزل الله من الهدى مع عدم إفادة قول المظهر العلم.
و ما نريد أن نقوله في هذا المقام: إن وجوب القبول هو معنى حجيّة خبر هذا المظهر حتى لو لم يفد قوله العلم. و لا شك: أنه ينطبق على الروايات المنقولة التي يرويها الرواة المتضمنة لبيان الأحكام الشرعية، و يصدق عليها أنها إظهار للهدى و للبينات فيجب القبول.
هذا الاستدلال تقع عليه عدة اعتراضات ذكرها السيد الصدر في حلقته الثانية و هي ما يلي: